فهرس الكتاب
وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا فيترك القيام فيهم بأمر الله؛ لما يرجوه منهم. وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك، ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفًا منهم ورجاء لهم؛ وذلك من ضعف اليقين" (1) . ولكن هناك فئة أخرى رسَّخ الله إيمانها وقوَّى يقينها، فصدَّقت بما أنزل على رسولها - صلى الله عليه وسلم - وخضعت وانقادت لأمر ربها، فأبت أن ترضى بغير ما يرضي الله عز وجل، فسعت جاهدة لإصلاح ما أفسده المفسدون، وتبييِّن الحق الذي لبَّسه الملبِّسون، ومقارعة الكافرين المعتدين، ولسان حالهم يقول:"
أما لله والإسلام حقٌ يدافعُ عنه شبانٌ وشيب
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"وفي رواية:"لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة"وفي رواية:"يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم" (2) وهذا ما يميز الطائفة المنصورة عن الفرقة الناجية، إذ الفرقة الناجية تشمل عموم أهل السنة الحاملين لأصوله، أما الطائفة المنصورة فهم خلاصة الفرقة الناجية وخواص أهل السنة والجماعة، لأنهم لا يكتفون بإقامة أصول القرآن والسنة ويدعون إليهافقط، بل يقاتلون عليها ويجاهدون في سبيل إقامتها .
قال ابن حجر:"قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله، انتهى" (3) .
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية: (1/51) .
(2) صحيح مسلم، رقم: (4956،4957) ، كتاب الامارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم". إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض: (6/348) .
(3) فتح الباري، كتاب الاعتصام: (15/227) ، دار الفكر.