الصفحة 91 من 165

يقول ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى:"قال الله تعالى: { فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمعَانِ قَالَ أَصحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدرَكُونَ.قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهدِينِ.فَأَوحَينَا إِلَى مُوسَى أَن اضرِب بِعَصَاكَ البَحرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرقٍ كَالطَّودِ العَظِيمِ } [الشعراء: 61-63] ، ينبغي أن نعلم ما الفائدة بالإخبار (1) بهذه القصة لنا وما لنا فيها من التأسي بمقتضى الحكمة... لأنه لم تقص علينا القصص عبثا لأن الله عز وجل يقول: { فَاقصُص القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ } [الأعراف: 176] ، فالفائدة في ذلك والله أعلم أنه لما لم يخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلا بعد ما أمره الله تعالى بذلك ثم قام البحر أمامهم ورأوا الجمع وراءهم وقد وقع العين بالعين أيقنوا بالعادة الجارية أنهم مدركون قطعا فسألوا موسى عليه السلام لعله يكون عنده أمر من الله تعالى يفعله عند وقوع العين بالعين لأن قولهم"إنا لمدركون"وهو عليه السلام قد أبصر من الجمع والبحر. ما الفائدة فيه إلا استخراج ما عنده في ذلك! فلم يكن عنده شيء مستعد للعدو إلا أنه يعلم أن الذي أمره ووفقه لامتثال أمره هو معه ولا يسلمه، فلم ينظر في ذلك إلى مقتضى العوائد الجارية ولا غير ذلك، لأن قدرة الله تعالى لا تنحصر للعادة، يفعل عز وجل ما شاء، فقال جوابا لهم: { كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهدِينِ } يقول بمتضمن قوة كلامه يا قوم ليس لي شيء أفضلكم به إلا قوة إيمان بالله، ويقين به، وصدق معه، فهو يهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم، فما فرغ من كلامه إلا ونزل عليه قوله تعالى: { فَأَوحَينَا إِلَى مُوسَى أَن اضرِب بِعَصَاكَ البَحرَ } فجاءه الجواب من الله بالفاء التي تعطي التعقيب والتسبب لما أخبرهم بحاله مع ربه في الحال أتته الهداية كما يليق بالعظيم الجليل إلى الضعيف إذا وثق به فكان من أمرهم وأمر عدوهم ما قص عز وجل".

(1) هكذا في الأصل ولعل الصواب من الإخبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت