الصفحة 92 من 165

ثم يقول رحمه الله:"كذلك أنت يا من قُصَّت عليه هذه القصة إذا كنت ممتثلًا لأمر ربك كما أمرك ولم تعلق قلبك بسواه يمدك بالنصر والظفر في كل موضع تحتاج إليه ولا تقف في ذلك مع عادة جارية كما فعل أصحاب موسى عليه السلام فكن موسوي العقل يغرق فرعون هواك بلطف مولاك في بحر التلف وكذلك كل من أرادك بسوء قال عز وجل في محكم التنزيل: { وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصرُ المُؤمِنِينَ } [الروم: 74] لأن القصص إذا ذكرت بعد الوعد كانت تصديقًا له وتأكيدًا، وقد قال تعالى: { إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم } [محمد: 7] ونصرة العبد إلى (1) الله إنما هي باتباع أمره واجتناب نهيه وفي هذه القصة إشارة لطيفة وهي أنه إذا كان واحد ممن هو ممتثل في جمع وهم له مطيعون أنهم ينصرون، يؤخذ ذلك من أنه لم يكن على يقين موسى عليه السلام في القوم غيره فلما كانوا له مطيعين عادت على الكل تلك البركة بذلك النصر العجيب. وفيه أيضا إشارة وهي أكيدة في هذا المعنى وهي أنه لما بادر عليه السلام للأمر ممتثلا علم بحقيقة الإيمان أن الآمر لا يترك من أمره وامتثل أمره فإنه خلف والخلف في حق الله تعالى محال فإذا رأى المرء نفسه قد قام بأمر ربه كما أمره إيمانًا واحتسابًا فلا يشك في النصر ولا يدخله في ذلك امتراء فإن دخله شك فهو ضعيف في التصديق وإذا ضعف تصديقه وهو إيمانه خان نفسه وهو لا يشعر وهذا من خداع العدو وقد يبطئ عليه النصر من أجل ذلك فلا يزال مع الإبطاء يضعف إيمانه حتى قد يكون سببًا إلى الشقاوة العظمى وهو من مكايد العدو وقد قال تعالى في كتابه مثنيًا على من قام بأمره في هذا المعنى الذي أشرنا إليه ومخبرًا بحالهم الجليل كيف كان ليقع بهم التأسي في ذلك الشأن فقال عز وجل: { الَّذِينَ قَالَ لَهُم النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فَاخشَوهُم فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ.فَانقَلَبُوا بِنِعمَةٍ مِن اللَّهِ وَفَضلٍ لَم يَمسَسهُم سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضلٍ عَظِيمٍ } [آلعمران:173-174] أي الله يكفينا والآي في هذا المعنى كثير" (2) .

صور من كرامات الأولياء لإقامة الحجة أو الحاجة:

كرامات سببها الحجة لإظهار دين الله تعالى:

1-خالد بن الوليد - رضي الله عنه -:

(1) هكذا في الأصل ولعل الصواب: ونصرة العبد لله.

(2) بهجة النفوس، ابن أبي جمرة الأندلسي: (2/128-129) ، طبعة دار الجيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت