فهرس الكتاب
مهلًا ياأبا الفهد.. هاأنت تقفُ من جديد على حافّة قبرك، وقد استعدتَ كثيرًا من هدوء نفسك الجيّاشة، وعادت الفرحة تملأ قسمات وجهك.. لاياأبا الفهد.. لاتفعلها.. قدماكَ بدأتا تغوصان في التراب الرخو اللزج.. وعلى وجهك ارتسمت ملامحُ القناعة والرضا.. لكأني بك كنتَ فريسة مقارنةٍ عجيبةٍ صعبة وانحزتَ إلى عالم الصمت الأبدي... مدهش قرارُك هذا ياأبا الفهد.. ركبتاك غاصتا بسهولة.. بدأ جسدُك يغيبُ رويدًا رويدًا.. يؤسفني أنني لاأستحقُّ منك إشارةَ وداع.. تلويحة يدٍ.. ابتسامة عينين.. التراب بلغ منك الكتفين.. العنق.. الرأس اختفيتَ تمامًا ياأبا الفهد.. وداعًا.. لم تستطع تحمُّل المفارقات العجيبة.. فآثرتَ الاختفاء بصمت.. وسيأتي من يهيلُ التراب سميكًا فوق جسدك، ويدحرج الحجرَ عليك من جديد...
حالة انتظار
كان الليل خارج البيت، يغزل أشباح الخوف، ويحوك ألسنةَ الظلام. الرياح تعزف ألحانًا حزينة هامسةً حينًا، عاصفة أحيانًا أخرى، فيهتزُّ الفراغ من حول البيت، وكأنه يؤدّي رقصة غجرية مثيرة. تلك الليلة.. كانت الأولى من ليالي عمرها الطويل، التي ضاقت بها نفسها عن كل شئ.
اعتصرها الخوف والتنبؤ. لقد تأخّر كثيرًا. أوغل الليل في جوف الظلمة ولّما يأتِ ابنها بعد. لقد تأخر كثيرًا على غير عادة منه. اقتربتْ من النافذة، أنصتت.. فتحتْ درفتها الصغيرة، اشرأبّت بعنقها ووجهها المتوثب. كان كل شئ يدعو للذهول والخوف. الظلمةُ تلفُّ الكون، والجوُّ داخل البيت الصغير باردٌ قاتم، لكأنما هو جزءٌ من مكوّنات الفضاء الواسع.. أحسّت أن قسوة الطبيعة خلف الجدران تطبقُ عليها بفكيّها، وأنّ المدفأة المعدنية الصغيرة، والمصباح الذابل المتدلّي من السقف، لم يستطيعا أن يعزلا البيت الموحش عمّا تحوكه عناصر الطبيعة في الخارج.
الرياحُ تنبح، ونوافذ البيت العتيق عاجزة عن الصّمود أمام زمجرتها. كانت تصطكُّ، فتصدر أصواتًا غير رتيبة، تعمّق مخاوف الأمّ وهواجسها. بينما كانت خيوطُ الهواء الجليديّة الحادّة، تتدفّق عبر الثقوب والشقوق التي تمتلئ بها أبوابُ البيت المهترئة، ونوافذه المتصدّعة.. والضوءُ الخافت يفشل في توزيع النور إلى جميع أركان البيت المضطرب.. ظلالُ الموجودات التافهة تترنح في فضاء البيت، ملقية بثقلها على كل ماحولها.. لقد تأخّر كثيرًا عن موعد عودته.. إنه وحيدُها. تحيا معه ولأجله فحسب..