فهرس الكتاب
شعرت الأم بالبرد يخترق مفاصلها. لاذت بزاوية قريبة من المدفأة، تدثرت ببطانيّة ألقتها فوق كتفيها، تكوّر جسدها واستسلمت لصمت مطبق.. خُيّل إليها أنها تسمع وقع قدميه يطرقان الأرض خارج الجدار. انتصب نصفُ جسدها الأعلى. أرهفتِ السمع. نظرت عبر النافذة بعيني لبوة جريحة، لكنها لم تسمع شيئًا. شعرت بالخيبة والحزن الأليم، وعادت تتكوّر حول أجزائها من جديد..
منذ سنوات وهذا القلق الممزِّق يراودها كل اسبوع، يريد أن يستلب منها عزيمتها. لكن الليلة، كانت الأولى من نوعها التي يلفّها بها الخوف والهواجس والضَّياع ..نقلتها هواجسها على أشرعةٍ معتمة، قذفتها إلى محطات قديمة مؤلمة. كانت لاتريد أن تتذكرّ، فالذكرياتُ أليمةٌ حادّة، استطاعت فيما مضى أن تتغلّب على ذكرياتها المرّة، لكن الليلة هذه شرسة مضنية، أرغمتها على السقوط في سعير تلك المحطّات.. يومئذ كان ابنها ناصر، سعيدًا بأعوامه التي لاتتجاوز أصابع اليدين. لم يستطع الفقرُوالبيت الصغير، أن يحدّا من رفاهيته ودلاله الممنوحين له من والديه. كان يمشي على بساط من الحب والأمل والسعادة. يكبر فيكبرُ معه الأمل.. كان كلَّ شىءٍ في حياة والديه. فجأةً دُقَّ جرسُ الانذار، بل لم يستطع أن يحمل صوته بعيدًا. ففي خفقة غير منتظرة، سقط الأب ضحية سكتة قلبيّة مفاجئة، كانت أقرب إلى الومضة الزمنيّة الخاطفة، فخلّفت في قلب الأم انكسارًا قاتلًا، وفي عيني طفلها ألمًا وذهولًا عميقين.. أليمةٌ جدًا تلك المحطّات. لم تكن ترغب في العودة إليها، إلاّ أنها سقطت في متاهاتها على الرغم منها، وراحت تغوصُ في أوحالها..
كانت ترجو أن تتخلص مع زوجها وابنها من الفقر. لم تكن العربة المتجولة، بما تحمل من بضائع تافهة وغير تافهة، لتستطيع أن تخلّص العائلة الصغيرة من الفقر، بل الجوع أحيانًا.. ألّحت عليه أكثر من مرة، أن يسافر خارج الوطن ليعمل هناك، عندئذ يعود بمالٍ وفرٍ، فيغيرّ مسيرة حياتهم الراكدة. لكنه رفض. ألّحت كثيرًا، وازداد الرفض. تخاصما مرارًا. قال: لن أبرح وطني لأصبح غريبًا. قالت له: لكننا فقراء، والفقر في الوطن غربة.
اجابها بهدوء: كذلك الغنى في الغربة فقر مدقع.