فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 70

زمجرت الرياح أكثر . أصدر الفضاء عواءً مخيفًا . غصّت المدفأة .بلهيبها الشحيح. طرقات منبهةٌ مخيفةٌ قرعت صدر الأم، انتصبت في مكانها كمن يواجه شبحًا مخيفًا. اقتربت من النافذة، أصغت بعمق لكنها لم تسمع إلاّ وجيب قلبها، وارتعاشة كفيّها. أخذت تلوب في فضاء الغرفة البائسة، تستنجد شيئًا ما يغرسُ في قلبها الصبر والعزيمة. لاذت من جديد في ركنها المعتاد وقد تدثرت بالبطانية من جديد، واستسلمت لهواجس مكرورة ممزِّقة.. أذنٌ ترصد النافذة، وعيونٌ زائغةٌ تخترق الظلمة خلف الأبواب، وحوار مع الذات أشبه بالنشيج، يبني عناكبه حول الأعصاب ونبض الدم. آهٍ ياناصر، لقد تأخرت الليلة كثيرًا، كثيرًا جدًا... لا. لا.. ماأسوأ أن تكون الاحتمالات صادقة. أقبل ياناصر. أقبل إليَّ بقدك الأهيف، ووجهك الاسمر الجذّاب. لقد هدّني الانتظار. ترى.. هل يجرّبُ مدى احتمالي. هل ولد يوم مولدي. هل أراد أن يمتحنني فدخل معي في صراع غير متكافئ. آهٍ ياناصر، مذ تخطيتَ عامك العاشر وأنا أنسجُ لك من دمي وروحي وأعصابي وعيني رداءً جميلًا دافئًا يقيك الحرمان والفقر. ويكلّل هامتك وكتفيك بورود الحب والاعتزاز والشهامة. أخذتُ بيدكَ عبر قسوة الحياة وشراسة الأيام. أحميكَ بالصبر والشجاعة والأمل وأنت تكبر يومًا بعد يوم وتتخطى السنوات والمراحل، وأنا أجثو في محرابكَ أصلي، أعبدُ فيكَ الحب والأمل والكبرياء الجريح . صلبت روحي وجسدي ، وبذلت ماء عيني رخيصة أمام صنّارتين حادتين جامدتين، تحوكان الدفْ والطمأنينة للآخرين، لقاء ليرات زهيدة أقيك بها غائلة الجوع والحاجة . وأنا سعيدة بهذا الشقاء أيّما سعادة، لأنك سكنت قلبي وأبحرتَ في شراييني. وفي كل يوم وقبل أن أخلد للنوم كنتُ أرتّل ترانيم الثقة والأمل والمستقبل. وجاء يوم. أصبحت فيه طالبًا جامعيًا بعد أن حققت نجاحًا متميزًا في الشهادة الثانوية. آه ياناصر. كان ذلك يعني أن يُقرع الجرس من جديد. أن يتغلغل الخوف والوهن في الأعصاب بلاحساب. أن تعود الاحتمالات المرّةُ تبني قامتها داخل روحي ودمي وجسدي. كان ذلك يعني الابتعاد والفراق المرّ... غادرتَ البيتَ الفقير والدّثار المهترئ والأبواب المهتزة إلى المدينة الكبيرة. إلى العاصمة. لأبقى وحدي أفقأ عيون الفقور بتلك الصّنانير المدبّبة البلهاء وبضع كُرات من الصّوف متعدد الألوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت