فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 70

في مساء كل خميس تعود إلي شامخًا معتزًا باسمًا، فيزهر الياسمين في قلبي، وتخضل أعصابي بالندّى المعطر. في مساء كل خميس أعطِّر وجهي بتلك الأيقونة الجميلة، وجهكَ أيها الحبيب، فيتضوّع في داخلي عبير الحياة بعد أن تلاشى أيامًا متتالية، تنتصب في شراييني ملائكة الحب والأمل والاعتزاز.. آهٍ.. لقد تأخرتَ ياناصر. ماأقسى هذه الليلة. في كل أسبوع كنتَ توافيني قبل أن تغطس الشمس خلف جرود القرية، لماذا تأخرت؟؟.. لقد أوغل الكون في كبد الليل ولمّا تأتِ.. أقبل ياناصر قبل أن تفترسني الاحتمالات وتمزّقني الأوهام. أقبل. أقبلّ.. ادفع البابَ بقوّة واهجم عليَّ كعادتك، وخذني بين ذراعيك، ستجدُ قلبًا ينبض وذراعين حانيتين وأمّا تنتظر... لعلّكَ أقبلت. أجل. لقد أقبلت. تبًّا لي ولأوهامي القاسية المبعثرة.. هاأنت ذا تقف في الباب، تسدُّ فرجته، تبتسمُ ملءَ فمك. ماأنصع أسنانك الجميلة. عيناك تفيضان حبًّا وسرورًا وكرامة. ذراعاك تتّسعان شيئًا فشيئًا، تبلغان المدى، وقامتُك الرجوليّة الآسرة تستبدل جفاف البيت وبرودته بدفءٍ وخصبٍ اعتدتُ عليهما.. أقبل.. أقبل ياناصر، وألقِ جسدك الغضَّ الدافئَ بين ذراعي...

قفَزت نحو الباب بهمة صبيّة مُترفة.. تسمّرت في مكانها، ضغطها الألم واختلطت الأشياء أمام عينيها. كانت خواطرها مجرد أوهام وأضغاث أحلام. مدّت يدها متكاسلة فمسحت دموعًا واخزة غزت خدّيها وانحدرت هي الأخرى بطيئة حائرة.. انكمشت من جديد، فارقتها العزيمة والتوثب وعادت تتدثرّ ببطانيّتها وتتكوّر على أجزائها في ركنها المعتاد.

ارتفع في الخارج هزيم الريح، واهتزت أبواب البيت ونوافذه. بعد قليل سوف تمطر الدنيا، وقد تثلج. ازدادت مخاوفها. سيمتلئ البيت بالبرد والصقيع، وقد ينطفئ النور، وستبقى وحيدة في الظلام والبرد والجوع.. صرخت في أعماقها: أقبل ياناصر.. أقبل قبلَ أن.... ثم أخرسها صمتٌ مفاجئ واستبدَّ بها خوفٌ مدّمر. ليته يأتي الآن. ليته يعود. ستلفُّ ذراعيها حول عنقه وتشبعه قبلاتٍ متلهفة، تدفئ جسدها المتيبَّس بحرارة جسده. سيمتلئ قلباهما بالحب والأمل، ويستريحان...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت