فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 70

حملت الرياحُ الصاخبة أوراق الشجر والحصى، وقذفت بهم زجاجَ النوافذ وأخشابها.. خُيِّلَ إليها أنها تسمع صوته ينادي: أمّي.. لقد أتيت. أصاخت السمع، أرهفت قلبها... لا. ليس هو. لقد أظلمت الدنيا منذ ساعات طويلة، ولاشئ خارج البيت إلاّ عواء الريح وشراشة البرد والظلام اللذين يلفّان الكون. توحّدت مع أوهامها ومخاوفها. أرادت أن تصرخَ ملء فمها. أقبل ياناصر. حرامٌ عليك.. خانتها حنجرتها الجافة. تكورت على أجزائها أكثر وانهزمت أمام دموعها واحتمالاتها الصاعقة... عوى في البعيد ذئب لاتدري من أين جاء. أو هكذا خٌيِّلَ إليها. انصتت برهافة حدأةٍ مُلتاعة. كانت الرياح تغنّي، وقطرات المطر تعزف ألحانًا رتيبة تحمل في طياتها الطمأنينة والخوف معًا. تناهى إليها صوتُه يهتف باسمها من بعيد.. هذا هو صوتُه. إنه موسيقى الملائكة. اندفعت خارج البيت كالمجنونة، ابتعدت تبحث عنه، عن مصدر الصوت. لم تعد تسمع شيئًا. لم تجده. اقتحم الخوفُ قلبها، تقلّص في صدرها. انكفأت راجعة وهي ترتعد. اخترق البرد جسدّها حتى العظام، لاذت بركنها المعتاد.. لِمَ تقسو عليَّ هكذا ياناصر؟؟ ماعهدتُك قاسيًا مخيّبًا للآمال. بكت بمرارة. عافت نفسها ذلك الركن البارد، كرهت الغرفة والضوءَ الشاحبَ والمدفأةَ الكسول.. كلبوةٍ سُرق ابنها منها هبّت تريد أن تفعل شيئًا. تحيّرت. ماذا تفعل؟؟.. خلّفت البيت وراءَها، أسندت ظهرها إلى بابه الخارجي. كان المطر يغسل الطبيعة ويعجن أوحالًا رخوة. راحت تبحثُ وتلوبُ في مكانها. مزّقت عيناها ستائرَ الظلمة. اكتشفت من بعيد شبحًا يقترب. صرخت في داخلها: هذا هو. لابدَّ أن يكون هو. الأم لاتخطئ. لقد سمعتُ صوتَهُ. سمعتُه بوضوحٍ هذه المرّة. غادرت باب البيت واقتحمت الظلام. نادت بملء صوتها: ناصر. ناصر. علا صوتها على صوتٍ العاصفة ومزاريب القرية النائحة. جاءَها الصوت من بعيد. أمّي. أمّي.. لقد أتيت... آهٍ. لقد عاد. لقد عدتَ ياناصر.. انهارت قواها. لم تستطع أن، تتقدم أكثر، استجمعت بقايا عزيمتها الخائرة، وتراجعت خطوات قليلة، وأسندت ظهرها إلى باب البيت من جديد. سمعت وقع خطواته وهو يخوض في الأوحال والمياه المتجمّعة.. في ضوء المصباح الشاحب، رأت وجههُ. الوجهَ الأسمرَ الصارمَ النظرات، يفيضُ حبًَّا وحنانًا واعتذارًا. كانت محفظة كتبه تجثم على كتفيه يسيل منها الماء. وفي يده الأخرى محفظة صغيرة مطويّة باتقان. قال: لقد كان الجوَّ والعواصفُ والمطرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت