فهرس الكتاب
أجبتني بعد فترة صمت طويلة: أحيانًا أحسُّ بأنني أخاطب الناس جميعًا، وأحيانًا أخصُّ نفسي. لكن وراء كل قصة أكتبها، امرأةٌ تحيا في ثنايا نفسي وكلماتي... سادَ بيننا صمتٌ مرهف. أعرفٌ أنك مازلتَ في ربيع العمر، وأنك لم تتزوج بعد. فمن تكون تلك المرأة؟؟!!.. ثقبتُ جدار الصّمت الثقيل. قلتُ لك: أعتذرُ إذا كنتُ قد أثقلتُ عليك بأسئلتي، سأنهي المكالمة الآن. لكن، هل تسمح لي باتّصال آخر إذا راودتني أسئلة جديدة؟؟
قلتَ لي: يسعدني ذلك.
شعرتُ بالبسمة تتألق مجدّدًا في عينيكَ وصوتك، الأمرُ الذي دفعني للابتسام من أعماقي، على الرغم من أنني كنتُ أريدُ للحديث منحىً آخرَ، يرضي أحاسيسي وينعشُ تطلعّاتي الحارّة .
شكرتك على تلك المكالمة اللطيفة والمؤلمة، وقبل أن تغادر السمّاعةُ كفّي، ندَّ عنّي سؤال مفاجىء: لقد نسيتُ أن أسألكَ عن اسم المرأة التي تحيا وراء كل ماتكتب.
أجبتني معابثًا: لاأعرف اسمها.. ولكنني أطلق عليها أسماء متعدّدة.. ليلى.. مريم.. ميسون.. دعد.. فأنا أحب الأسماء الموحية القديمة... وأردفتَ قائلًا: الأسماءُ لاتهم. يكفي أنها امرأة رائعة.
ضحكتُ دون قصد منّي. شعرتُ بالصّقيع يغزو مفاصلي، أجبتكُ بعد صمت: لايهم. عذرًا لإزعاجك.
أجبتني: اتّصلي بي متى شئتِ. فأنتِ كما يبدو إنسانة ذكيّة ، يسرّني أن أسمع رأيك الناقد فيما أكتب وألقي.
قلتُ والفرحةُ تغمرني: انتظر منّي نقدًا لاذعًا... إلى اللّقاء.
صديقي العزيز...
ماتزال تلك المكالمة، على الرغم من قساوتها على امرأة مثلي، مطبوعةً في مخيلتي، تملأ أذنيَّ ونفسي حرفًا حرفًا.. وماأزال أذكر أنني منذ تلك الليلة أصبحتُ متعلقة بك أكثر، ألوبُ مع نفسي مفتّشة عن قصصك، أحضرُ كلَّ أمسياتك. أجلسُ في الصفِّ الأول من المستمعين، تراني دون أن تعرفَني. يؤلمني ذلك جدًا، حتى بدأتُ أحسُّ بأنك تخاطبني وتحدّثني وحدي، وكم ساقتني أوهامي لأتخيلّ أنّ اسمي هو ليلى أو مريم أو ميسون. ولكن عندما أعود وقد هدّني الإعياء والسهر كلَّ ليلة إلى عالمي الخاصّ ومكنوناتي الداخلية، أدركُ عمق السراب الذي أتصوّره وانتظره. أصحو إلى سعةِ الهوّة بيننا. فأنت شابٌّ مقبلٌ على الحياة، وأنا ألامسُ خريف العمر. أيقنُ أنَّ لك ليلاك، ولي من الحياة أوراقها الصّفر المتساقطة، وأنه لامكان لي في عالمكَ الخاص أكثر من قراءة أو استماع.