أما قولهم: العسل أحلى من الخل فيحمل على أن قائله أطلق على العنب خلًا، كما أطلق عليه خمرًا في قوله -تعالى-: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [1] ويحتمل أن يكون أحلى من حَلِيَ بعيني بمعنى: حسن منظره [2] .
وقد يستعمل اسم التّفضيل عاريًا عن معنى التّفضيل، فيتضمن معنى اسم الفاعل، كقوله -تعالى-: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} [3] أي: عالم بكم، أو معنى الصفة المشبهة كقوله -تعالى- {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [4] أي: وهو عليه هيّن، لأنّه لا يقال: شيء أهون عليه من شيء.
وهذه المسألة - مجيء اسم التّفضيل لغير قصد المفاضلة - اختلف فيها النحاة قديمًا وحديثًا، فهي عند أبي العباس المبرد قياس مطرد، إذ يقول:"فأما قوله في الأذان الله أكبر فتأويله: كبير، كما قال -عزّ وجلّ-: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} فإنما تأويله: وهو عليه هين؛ لأنّه لا يقال: شيء أهون عليه من شيء. ونظير ذلك قوله [5] :"
لَعَمْرُكَ مَا أدْري وإنّي لأوجلُ ... على أينا تَعْدُو المنيةُ أولُ
أي: إني لوجل ... وأعلم أنّ أفعل إذا أردت أن تضعه موضع الفاعل فمطرد، فمن ذلك قوله [6] :
قُبّحتُم يا آلَ زيدٍ نفرا ... ألامَ قومٍ أصغرا وأكْبَرا
يريد صغيرًا وكبيرًا، فهذا سبيل هذا الباب" [7] ."
والأصح عند ابن مالك قصره على السماع [8] ، فما ورد منه يحفظ ولا يقاس عليه، وأيده عليه الرضي [9] .ونقل أبو بكر الأنباري (ت 328هـ) - في الزاهر - شواهد على ورود اسم التّفضيل مسلوب المفاضلة، فقال:"واحتجوا بقول الفرزدق [10] :"
إنّ الّذي سَمكَ السّماءَ بَنى لنَا ... بيتًا دَعائِمهُ أعزُ وأطولُ
أراد: دعائمه عزيزة طويلة، واحتجوا بقول الآخر [11] :
تَمنى رِجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أمتْ ... فتلكَ سَبيلٌ لستُ فيها بِأوحَد
أراد: لست فيها بواحد، واحتجوا بقول الأحوص [12] :
إنّي لأمنَحكَ الصّدودَ وإنّني ... قسمًا إليكَ معَ الصّدودِ لأميلُ
أراد: لمائل" [13] . ولم يوردوا على استعمال اسم التّفضيل مسلوب المفاضلة في حالة الإضافة إلا مثالًا، وهو قولهم: الأشج والناقص [14] أعدلا بني مروان، أي: عادلاهم [15] ، وحجتهم في تجريد أسماء التّفضيل الواردة في الشواهد من دلالتها هي:"إنما يفاضل بين شيئين إذا كانا من جنس واحد" [16] وصح الاشتراك بينهما في الصفة، ولم يقع هذا على اسم التّفضيل في الشواهد المذكورة."
فإذا خلا اسم التّفضيل عن دلالة المفاضلة جاز أن يطابق وهو نكرة، قال الأشموني:"والذي سمع منه فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير، وقد يجمع إذا كان ما هو له جمعا كقوله [17] :"
إذا غابَ عنكم أسودُ العينِ كنتم ... كرامًا. وأنتم ما أقامَ ألائمُ
وإذا صح جمعه لتجرده عن معنى التّفضيل، جاز أن يؤنث وهو مجرد منه، فيكون قول ابن هانئ [18] : ... كأنّ صُغرَى وكُبرى مِن فَقَاقِعِهِا. صحيحًا" [19] ."
(1) يوسف: 36.
(2) ينظر: شرح العمدة: 767.
(3) الإسراء: 54.
(4) الروم: 27.
(5) لمعن بن أوس: ديوانه: 93.
(6) لم أهتد إلى قائله، ينظر: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: عبد القادر البغدادي: 8/ 276.
(7) المقتضب: 3/ 245 - 247.
(8) ينظر: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: 143.
(9) ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3/ 459.
(10) ديوان الفرزدق: قدم له وشرح له: مجيد طراد: 2/ 209.
(11) لم أقف على قائله وهو واحد من ثلاثة أبيات في أمالي القالي: 3/ 218.
(12) شعر الأحوص الأنصاري: عادل سليمان: 166.
(13) الزاهر في معاني كلمات الناس: 1/ 123.
(14) الأشج: هو عمر بن عبد العزيز، سمي بذلك لشجة أصابته بضرب الدابة، والناقص: يزيد بن الوليد بن عبد الملك، سمي بذلك لنقصه أرزاق الجيش (ينظر: فوات الوفيات والذيل عليها: محمد الكتبي: 3/ 133 و حاشية الصبان: 3/ 49) .
(15) ينظر: شرح الكافية الشافية: ابن مالك: 1143.
(16) خزانة الأدب: 8/ 245.
(17) نسب إلى الفرزدق ولم أجده في ديوانه، ينظر: خزانة الأدب: 8/ 277.
(18) ديوان أبي نؤاس: تحقيق: بهجت عبد الغغور 90 وتمامه: حصباء در على أرض من الذهب.
(19) شرح الأشموني على ألفية ابن مالك: 3/ 51 - 52.