الصفحة 9 من 206

ومن ذلك ما جاء في التهكم، من قولهم: هو أعلم من الحمار فليس للحمار علم حتى يكون هو أعلم منه، ولكن المراد به التهكم، كأنه قيل:"إن أمكن أن يكون للحمارعلم فأنت مثله مع زيادة، وليس المقصود بيان الزيادة، بل الغرض التشريك بينهما في شيء معلوم انتفاؤه عن الحمار" [1] ، مثال ذلك قوله تعالى -حكاية عن فرعون- {أَيّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [2] ، فهو يعلم أن موسى - عليه السلام - لم يكن من التعذيب في شيء، وإنما أراد أنه لو كان له شيء من التعذيب، لكنت أنا أشد عذابًا منه وأبقى، أخرجه على سبيل التهكم والسخرية [3] .

وقد يكون التّفضيل بين شيئين في صفتين مختلفتين، فيراد بالتّفضيل حينئذ أن أحد الشيئين قد زاد في صفته، على الآخر في صفته كقولهم: العسل أحلى من الخل، والصيف أحر من الشتاء، والليل أظلم من النهار، فليس ثمة اشتراك بين المفضل والمفضل عليه وإنما المراد: أن العسل في حلاوته، زائد على الخل في حموضته، فاتّصاف العسل بالحلاوة، أكثر من اتّصاف الخل بالحموضة، وكذا الباقي [4] ، جاء في كليات أبي البقاء:"وقد يستعمل أفعل لبيان الكمال والزيادة في وصفه الخاص، وإن لم يكن الوصف الذي هو الأصل مشتركًا وعليه قولهم: الصيف أحر من الشتاء، أي: الصيف أكمل في حرارته من الشتاء في برودته" [5] .

وأنكر ابن مالك وأبو حيان [6] صحة هذا التقدير، وأكدا وجوب اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل الوصف، وأول ابن مالك ما جاء ظاهره خلاف ذلك، فقال في الصيف أحر من الشتاء له توجيهان:

"أحدهما: انه يكون اسم التّفضيل أحر من حر القتل بمعنى: استحر، أي: اشتد، فكأنه قال: الصيف أشد استحرارًا من الشتاء؛ لأن حروبهم في الصيف كانت أكثر من حروبهم في الشتاء."

[الآخر] : ويمكن أن يشار بذلك إلى أن الشتاء يتحيّل فيه على الحر بموقيات البرد، والصيف لا يحوج إلى توقي برده، فحره أشد من الحر الذي يتوصل إليه في الشتاء بالحيل" [7] ."

(1) شرح الرضي عن الكافية: 3/ 455.

(2) طه: 71.

(3) ينظر: تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: الزمخشري: 661.

(4) ينظر: حاشية الصبان على شرح الأشموني: محمد بن علي الصبان: 3/ 50 و ظاهرة التّفضيل: 230.

(6) ينظر: تذكرة النحاة: 294.

(7) شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ: 767.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت