معنى الموازنة والمفاضلة واضح في هذا الأسلوب يستنتج من سياق النص" [1] ، فمعنى الآية على هذا: أتستبدلون الذي هو أدنى في كل شيء، بالذي هو خير في كل شيء، وأدنى اسم تفضيل من الدنوّ وهو القرب و"ألفه منقلبة عن واو لانه من دنا يدنو إذا قرب" [2] ، فمعنى أدنى: أقرب، أي:"أقرب في القيمة، كقولك: هذا ثوب قريب، إذا أردت تقليل قيمته" [3] ، فاستعمل أدنى هنا بمعنى: أقرب، للدلالة على ذمّ طلبهم، ذلك أن"أصل الدنو القرب في المكان فاستعير للخسة كما استعير البعد للشرف والرفعة فقيل: بعيد المحل وبعيد الهمة" [4] ، فيكون معنى قوله: أدنى:"أخس وأوضع وأصغر قدرًا" [5] وقيل: بل أدنى أصله من الدناءة، فالألف على هذا بدل من همزة [6] ، والدناءة عند أهل اللغة مصدر: دنؤ يدنؤ دناءة فهو دنيء، أي: حقير [7] ، وأعترض النحاس عليه بقوله:"هذا الذي ذكرنا إنما يجوز في الشعر ولا يجوز في الكلام، فكيف في كتاب الله عز وجل"؟ [8] ، وأضاف ابن الأنباري:"ولا يجوز أن يكون أفعل من الدناءة؛ لأن ذلك يوجب أن يكون مهموزًا، ولم يهمزه أحد من القراء، وقلب الهمزة ألفًا إنما يجوز إذا سكنت و انفتح ما قبلها، ولم يوجد
هاهنا، وإذا لم يوجد ما يقتضي جواز القلب، فكيف يدعى وجود ما يقتضي وجوبه"؟ [9] فهو لا يصح من جهة التصريف، ولا من جهة المعنى أيضا، قال الفراء:"ولم نرَ العرب تهمز أدنى إذا كان من الخسة، وهم يقولون: إنه لدانيء خبيث فيهمزون" [10] ، وقد ذكرنا هذا في الدلالة المعجمية للفعل (دنا) ."
وقيل أدنى: اسم تفضيل مأخوذ من (الدون) كما تقول: هذا دون ذاك، فاصله: أدون، قدمت اللام إلى موضع العين، وأخر الواو، فصار أدنو، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها،
(1) أسلوب التفضيل في القرآن الكريم: 9.
(2) إملاء ما من به الرحمن: 1/ 39.
(3) البيان في غريب إعراب القرآن: 1/ 86.
(4) إرشاد العقل السليم: 1/ 140.
(5) جامع البيان: 1/ 359.
(6) ينظر: مشكل إعراب القرآن: 1/ 96.
(7) ينظر: أساس البلاغة: الزمخشري: 196.
(8) إعراب القرآن: 1/ 180.
(9) البيان في غريب إعراب القرآن: 1/ 87.
(10) معاني القرآن: 1/ 42.