الصفحة 105 من 206

يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أزكى لَكُمْ وَأطهر وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [1] ؟ فأزكى هنا يدل على النماء والوفر، وذلك أنهم كانوا يمنعون النساء أن يتزوجن من أردن من الأزواج بعد انقضاء عدتهن حِمية، وحفاظًا على المروءة، فأعلمهم الله أن عدم العضل أوفر للعرض؛ لانه فيه سعيًا إلى استباق الود بين العائلات [2] ، فيكون معنى أزكى هنا قد فارق معنى أطهر، وكأن أهل التفسير يؤسسون بهذا التفريق المعنوي قاعدة قوامها أن أزكى وأطهر إذا اجتمعا لفظا افترقا معنى، وإذا افترقا لفظا اجتمعا معنى، ويلاحظ أن أزكى لم يجتمع بـ أطهر في غير هذه الآية فيكون أزكى إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وأطهر إشارة إلى إزالة الذنوب والمعاصي [3] .

وقيل أزكى بالنسبة إلى الأولياء، وأطهر بالنسبة إلى الزوجين لما يخشى عليهما من الريبة، إذا منعا النكاح بسبب العلاقة [4] ، وقيل: أزكى لكم في الدنيا، وأطهر في الآخرة وقيل: العكس هو الصحيح [5] .

ومما يلاحظ هو أن أزكى لم يستعمل - في جميع مواضع وروده - إلا في الحديث عن العلاقة الخاصة، كما في آية البقرة في ترك العضل، أو العلاقات العامة أو ما يطلق عليه في الشريعة مصطلح (المعاملات) كما في الكهف والنور في الاستئذان وغض البصر وحفظ الفرج، وكأنه - تعالى - يشير إلى حقيقة بينة وهي أن على كل مَن أراد أن يزكى ويطهر في الدنيا والآخرة في علاقاته الخاصة منها والعامة، أن يمتثل أمره - تعالى - وان يجتنب نهيه في ذلك، وان المشار اليه بـ (ذلك) أو (ذلكم) قد بلغ الذروة في التزكية والتطهير، لا أنّ اتباع أمره - تعالى - أزكى، وان تركه أو اتباع غيره زكيّ، بل المراد - والله أعلم - انه حق خالص وغيره باطل صِرف، ويبدو أن القرآن الكريم قد نقل المفردة من المعنى المادي إلى المعنى المجرد ووسع من دلالاتها فجعل لها معنيان: أحدهما: لغوي، والآخر: شرعي، وادخلها في مجالات أرحب وأعم.

(1) البقرة: 232.

(2) ينظر: من بلاغة القرآن: احمد بدوي: 384 - 385 والتحرير والتنوير: 2/ 428.

(3) التفسير الكبير: 2/ 457.

(4) ينظر: البحر المحيط: 2/ 221.

(5) ينظر: التحرير والتنوير: 2/ 428.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت