فهرس الكتاب
وقد أشكل على بعض المفسرين قوله - تعالى-: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلم مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أعلم بِالْمُهْتَدِينَ} [1] هل لاسم التفضيل عمل في (من) كرفع أو نصب؟ وإذا لم يكن له فيه عمل فما هو تأويله؟ وما هو تأويل من؟ أجمع النحاة على أن اسم التفضيل يرفع الضمير المستتر باتفاق، نقول: زيد أفضل من عمرو، فيكون في (أفضل) ضمير مستتر يعود على زيد [2] ، أما رفعه للاسم الظاهر ففيه خلاف، هل يرفعه مطلقًا، أو في بعض المواضع؟ فقد حكى سيبويه عن بعض العرب انهم يرفعون به مطلقا فيقولون: مررت برجل افضل منه أبوه [3] ، قال ابن هشام:"وترفع الأب على الفاعلية، وهي لغة قليلة، وأكثرهم يوجب رفع (أفضل) في ذلك على أنه خبر مقدم، و (أبوه) مبتدأ مؤخر، وفاعل (أفضل) ضمير مستتر عائد اليه" [4] ، وعن قلته وكثرته قال ابن مالك في ألفيته [5] :
فَرفعُه الظّاهر نَزرٌ ومتَى ... عَاقَبَ فِعلًا فَكثِيرًا ثَبتَا
وعلة ذلك أنه ضعيف الشبه باسم الفاعل، من قِبل أنه في حال تجريده وتنكيره
لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، هذا إذا لم يحسن أن يقع موقع فعل بمعناه، فإذا صح إن يقع موقعه فعل بمعناه فرفعه للاسم الظاهر كثير ثابت [6] ، وقد تناولنا هذه المسالة - رفع ونصب اسم التفضيل للضمير المستتر والبارز والاسم الظاهر - بشكل مفصل مما أغنى عن إعادته هنا.
وأجمعوا على أنّه لا ينصب المفعول به مطلقًا؛ لضعف شبهه للفعل واسم الفاعل لكنه يعدى اليه بالحرف فلا حاجة في أن ينصبه مباشرة، جاء في شرح الكافية:"أما المفعول به فكلهم متفقون على أنّه لا ينصبه، بل إن وجد بعده ما يوهم ذلك فافعل دال على الفعل الناصب له، قال الله - تعالى: {هُوَ أعلم مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} أي: أعلم من كل واحد يعلم من يضل" [7] ، فـ من إذن ليست مرفوعة باسم التفضيل أعلم، ولا منصوبة به.
واختلف في دلالة أعلم في الآية، هل يكون باقيًا على دلالة المفاضلة؟ وتكون من - سواء كانت موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة بمعنى فريق - في موضع نصب بفعل
(1) الأنعام: 117.
(2) ينظر: حاشية ياسين 2/ 106.
(3) ينظر: الكتاب: 2/ 31.
(4) شرح قطر الندى: 314.
(5) الألفية: 36.
(6) ينظر: حاشية الصبان: 3/ 53.
(7) رضي الدين الإستراباذي: 2/ 219.