فهرس الكتاب
محذوف، وتقدير الآية على هذا: إن ربك هو أعلم من كل من يتوهم فيه العلم مطلقًا، يعلم من يضل عن سبيله [1] ، أو يكون"موضع من رفع بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام، والمعنى: إن ربك هو أعلم أيّ الناس يضل عن سبيله؟ وهذا مثل قوله: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [2] " [3] ، وهو مذهب الزجاج والفراء [4] ، ومعنى التفضيل فيه"أن الله لا يعزب عن علمه أحد من الضالين، ولا أحد من المهتدين، وان غير الله قد يعلم بعض المهتدين وبعض المضلين، ويفوته علم كثير من الفريقين" [5] ، وعلى هذا يكون أعلم الأول مقطوعا عما بعده، ليسبق إلى الفهم انه أعلم من كل ما يتخيل فيه علمًا [6] ، أو يكون أعلم بمعنى: يعلم، في الموضعين [7] ، أو في الموضع الأول فقط، وقد سلبت منه دلالته على المفاضلة، والتقدير: إن ربك هو يعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [8] ، مع أن تجريد الاسم الأول عن دلالته، وإبقاء الثاني عليها يوقع التفاوت في علم الله
-تعالى - وهو محال؛ ولذلك أسرع الرازي إلى توجيه دلالته قائلًا:"المقصود من هذا اللفظ، أن العناية بإظهار هداية المهتدين فوق العناية بإظهار ضلالة المضلين" [9] ، ولعلهم لم يلحظوا أن قوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} معطوفة على قوله - تعالى-: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلم مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} "فأبان بدخول الباء في المهتدين أن أعلم ليس بمعنى يعلم" [10] ، ولعل الأقرب إلى الصواب هو قول من قال بأن من في محل نصب بنزع الخافض [11] ، لقوله في الآية نفسها: {وَهُوَ أعلم بِالْمُهْتَدِينَ} ، وفي آخر النحل: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أعلم بِالْمُهْتَدِينَ} [12] ، ومثلها تمامًا في سورة القلم [13] ، ومع تغيير يسير في سورة النجم: إِنَّ رَبَّكَ
(1) إملاء ما من به الرحمن: 1/ 259 والبيان في غريب إعراب القرآن: 1/ 336 ونظم الدرر:7/ 240.
(2) الكهف: 12.
(3) معاني القرآن وإعرابه: 2/ 233.
(4) ينظر: معاني القرآن: 1/ 352.
(5) التحرير والتنوير: 8/ 29.
(6) ينظر: نظم الدرر: 7/ 240.
(7) ينظر: فتح القدير: 2/ 219.
(8) ينظر: التفسير الكبير: 5/ 127.
(9) م. ن: 5/ 128.
(10) جامع البيان: 8/ 16.
(11) ينظر: تفسير البغوي 439 والجامع لأحكام القرآن: 7/ 48.
(12) آية: 125.
(13) آية: 7.