الصفحة 112 من 206

هُوَ أعلم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أعلم بِمَنْ اهْتَدَى [1] فهذه الآيات الأربع تكاد تكون واحدة تصب في سياق واحد، وهو ما اختاره ابن عاشور قائلًا:"فحذفت الباء إيجاز حذف تعويلًا على القرينة، وقد حذفت الباء من الجملة الأولى؛ لان الصلة فيها لا يتوهم أن يكون معناها: الله أعلم الضالين، لانه كلام متناقض، أما في الثانية، فيتوهم السامع أن المراد أن الله أعلم المهتدين، أي: أقوى المهتدين علمًا، فاثبت الباء في الثانية، وحذفها من الأولى بدليل القرينة الحالية وهي فساد المعنى" [2] ، ولا يجوز جر من بإضافة أعلم إليها؛ لأنه يستحيل المعنى ويصير التقدير: إن ربك هو أعلم الضالين، وذلك كفر محال؛ لان اسم التفضيل لا يضاف إلاّ إلى ما هو بعضه [3] .

بقي أن نقول أن الضمير في قوله: هو أعلم ضمير الفصل لإفادة القصر، فالأعلمية بالضّالين والمهتدين مقصورة على الله تعالى، وان الناس لا يشكون بأن علمهم بذلك قاصر، وان المشركين يحسبون أن الأعلمية وصف لله، ولآلهتهم، فنفى بالقصر أن يكون أحد يشارك الله في وصف الأعلمية المطلقة [4] .

ومثل آية الأنعام قوله - تعالى-: {اللَّهُ أعلم حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [5] ، فذهب قسم من المفسرين إلى القول: بأن (حيث) هنا ليس ظرفًا؛ لانه لا يكون في مكان أعلم منه في مكان آخر؛ وإنما هو مفعول به على السعة، وليس العامل فيه أعلم لانه لا يعمل في المفعولات [6] ، قال ابن عطية:"أعلم معلق عن العمل، والعامل في (حيث) فعل تقديره: يعلم حيث" [7] ، ومنع أبو حيان الأندلسي نصب (حيث) على المفعول به لا على السعة، ولا على غيرها؛ لان النصّب على السعة لا يكون إلاّ في الظرف المتصرف، وقد نصّ النحاة على أن (حيث) من الظروف التي لا تتصرف، والظاهر عنده إقرار (حيث) على الظرفية المجازية، على أن تتضمن أعلم معنى ما يتعدى إلى الظرف، فيكون التقدير: الله أنفذ علما حيث يجعل رسالاته، أي: نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالته [8] ، واليه ذهب ابن عاشور قائلًا:"فتكون -"

(1) آية: 30.

(2) ينظر: التحرير والتنوير: 8/ 30.

(3) ينظر: البيان في غريب إعراب القرآن: 1/ 336.

(4) ينظر: التحرير والتنوير: 8/ 29.

(5) الأنعام: 124.

(6) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 7/ 53.

(7) المحرر الوجيز: 660.

(8) ينظر: البحر المحيط: 4/ 218 - 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت