فهرس الكتاب
في الدنيا يحشر كذلك بل لا يصح؛ لان المؤمنين الذين هم كذلك لا يحشرون عميانًا. وان كان المراد به عمى القلب، وانه يكون فاقدًا للبصيرة في الدنيا، ثم يحشر كذلك فهو لا يلزم أيضًا، لانه لو كان كذلك لم يحس الكافر به؛ لانه مات وهو أعمى البصيرة، قال ابن عطية:"من كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله - تعالى - فهو في الآخرة اشد حيرة وأعمى لانه باشر الخيبة ورأى مخايل العذاب" [1] ، فأعمى على هذا من عمى القلب في الموضعين.
الثالث: من الأدلة على أن أعمى الثاني اسم تفضيل هو: قراءة أبي عمرو بن العلاء إذ قرأ أعمى الأول ممالًا، وترك الإمالة في الثاني، ولولا انه رآه اسم تفضيل لأمال فيه، لكن الاسم أبعد من الإمالة [2] ، فثبت أن أعمى الثاني إنما هو اسم تفضيل، دال على مشاركته للأول في عمى البصيرة وزيادته في الآخرة.
وبهذا يوسع القرآن الكريم من دلالة الأعمى ويتعداه إلى المعنى الباطني البعيد، باستعارة العمى للقلب كناية عن الضلال لقرينة المشابهة وهي عدم الاهتداء [3] ، وهذا هو الذي خلص الآية من الإشكال، وهو أيضا الذي منعنا أن نقول بإطلاق الأعمى وان ورد أعمى مطلقًا من كل ما يقيده بالمفضل عليه من الإضافة واللام ولفظ من التفضيلية.
أَقسَط:
القاف والسين والطاء أصل صحيح يدل على معنيين متضادين، والبناء واحد،
فالقسط: العدل، وفعله: أقسط يقسط أقساطًا فهو مقسط [4] ، قال الله - عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [5] ، والقسط: الجور، والفعل المشتق منه: قسط يقسط قسطًا وقسوطًا، فهو قاسط [6] . قال - سبحانه: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [7] قال الفراء:"هم"
(1) المحرر الوجيز: 1157.
(2) ينظر: إعراب القرآن: النحاس: 2/ 254 والمفردات: 361.
(3) ينظر: المصباح المنير: 2/ 431 وفي المجالات الدلالية في القرآن الكريم: 110.
(4) ينظر: مقاييس اللغة: 5/ 85 ولسان العرب: 3/ 85.
(5) الحجرات: 9.
(6) ينظر: تهذيب اللغة: 8/ 388.
(7) الجن: 15.