الصفحة 120 من 206

ينوع معنى السياق اعتمادًا على عبارات قصيرة ومشحونة بالمعاني لذلك جاء أقسط وأقوم وأدنى من غير أن يقترن باللام أو الإضافة أو لفظ من لئلا يذوب العموم الذي أفاده اسم التفضيل في حال تجرده، فالفروق المعنوية بين الكلمات والجمل لا تحصل إلاّ بعد استقلال كل كلمة أو جملة عن غيرها بمعناها، فالفرق بين أقسط وأقوم وأدنى هو أن الأول متعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى، والثاني: متعلق بتحصيل مصلحة ومنفعة دنيوية، لذلك قدم الأول على الثاني؛ لان الدين مقدم على الدنيا فقال - تعالى-: {أقسط عِنْدَ اللَّهِ وَأقوم لِلشَّهَادَةِ} أما الثالث: وهو: أدنى فهو إشارة إلى دفع الضرر عن النفس أو عن غيرها [1] .

فإن قيل: ما سبب اختيار أقسط من بين أسماء التفضيل الأخرى الدالة على العدل والإنصاف نحو: أعدل؟ وذلك لان"القسط أخص من العدل في القرآن الكريم وقد ارتبطت اللفظة بدلالة العدل في الأمور المالية وشؤون اليتامى والكيل والميزان، فالقسط هو العدل في أمور الحياة الاجتماعية والاقتصادية" [2] .

وفي دلالة أقسط على الزيادة المطلقة، قوله - تعالى-: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ - أُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أقسط عِنْدَ اللَّهِ} [3] . أي: انسبوهم لآبائهم وخصوهم بهم، فقد ذهب عدد من المفسرين إلى انه مسلوب المفاضلة، قال أبو السعود:"أقسط افعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقًا من القسط بمعنى العدل، أي: الدعاء لآبائهم في العدل والصدق في حكم الله - تعالى - وقضائه" [4] ؛ لان نسبتهم إلى غير آبائهم جور على الآباء الحق والأدعياء لان فيه ضياع أنسابهم [5] .

ومن عجيب هذه اللغة ومفرداتها من القسط، والعدل، والإنصاف، وهي من المشترك، أنها مصادر تدل أفعالها على المعاني وأضدادها، فالفعل (قسط) يدل على الجور والعدل كما ذكرنا، وكذلك (عدل) إذا حكم بالحق، وعدل عن إذا مال عنه وحاد [6] و (أنصف) إذا أخذ

(1) ينظر: التفسير الكبير 3/ 97.

(2) التطور الدلالي: 376.

(3) الأحزاب: 4 - 5.

(4) إرشاد العقل السليم: 5/ 210.

(5) ينظر: التحرير والتنوير: 21/ 262.

(6) ينظر: العين: 2/ 38 والقاموس المحيط: 4/ 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت