القارئ أو السامع إلى تقدير ما اهتدت اليه من معنى، كقوله - تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [1] فيقدر أحدنا مفضولًا معينًا، بينما يقدر غيرنا مفضولًا آخر، توصل إليه من خلال فهمه لما وراء النصوص، وذلك لتباين مستوى الإدراك لدى الناس، والقدرة على معرفة العلاقة القائمة بين المجردات والمحسوسات، لتقبّل مثل هذه الآيات لأكثر تلك الاحتمالات، وبهذا يحقق القرآن غايته من إيصال المعنى المراد، بأيسر الألفاظ، وأقل التركيبات، قال - سبحانه-: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [2] . ولقد أسهم اسم التفضيل في تأدية هذا المطلب العظيم، بدور بارز ومهم، من خلال تجرده وعدم التصريح بالمفضول، ومن خلال ما تضمنه من الدلالة على التفاوت الحاصل بأدنى مشاركة، فكلما ظهرت أو ذكرت وسيلة للدعوة والإرشاد قيمة كان القرآن العظيم داعيًا ومرشدًا لأقوم منها، من موافقة العقل للنقل وتبرئته عن التناقض والتهافت، وبهذا تستمر المعجزة إلى غير أمد.
وإنما جاز أن يقال: أقوم مع أنه مبني من الفعل الرباعي أقام؛"لقولهم: قويم، كما قالوا: ما أشده وما أفقره! وهو من اشتد وافتقر، لقولهم: شديد وفقير" [3] ، وبناء على مذهب سيبويه الذي يجيز ذلك مطلقًا [4] ، ويبدو أنه حينما يكون الوصف على غير وزن أفعل كقويم على وزن (فعيل) فانه يجوز بناء اسم التفضيل من فعل ذلك الوصف.
ولقد أفاد أقوم معنى بليغًا، جاء موافقًا لدلالته المعجمية على الاستقامة والاعتدال، فقد جاء في سورة الأنعام قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [5] فالصراط الذي سماه القرآن مستقيمًا، هو الحد الوسط الذي يكون بين طرفين لو خرج إلى أحدهما لكان منحرفًا، فهو أبدًا بين إفراط وتفريط، فدين الإسلام هو دين الوسطية قال - تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [6] كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ما خيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرها ما لم يكن إثمًا [7] ، فهو لا يترك الاختيار بالكلية، كما لا يختار أشدهما على
(1) المؤمنون: 96.
(2) القصص: 51.
(3) لسان العرب: 3/ 195.
(4) ينظر: الكتاب: 4/ 98 - 99.
(5) الآية: 153.
(6) البقرة: 143.
(7) ينظر: رياض الصالحين: الامام النووي: 276.