الصفحة 126 من 206

شيء على الله -عز وجل- هيّن يسير، قال - تعالى-: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [1] {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [2] {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [3] ، فالمشاركة في التفضيل إن لم تكن حقيقية فهي تقديرية، تصح بوجه من الوجوه، منها:

أن أهون مسلوب المفاضلة وهو بمعنى هيّن [4] ، قال الزجاج:"وهو هيّن عليه وان أهون ههنا ليس معناه أن الإعادة أهون عليه من الابتداء فكلاهما سهل عليه" [5] ،

ومن هذه الوجوه: أن الإعادة أهون عليه من البداية، والبداية عليه هيّن [6] ، فالتفاضل بين سهلين لا بين صعبين، قال الفخر الرازي:"لان في البدء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف ولا شك أن الأمر الواحد أهون من أمرين، ولا يلزم من هذا أن يكون غيره فيه صعوبة" [7] .

ومنها أيضا: أن الله - تعالى - لا يوصف بذلك إنما يوصف به الخلق، فالهاء في (عليه) تعود على الخلق، والمفاضلة قائمة بين ما يلقاه الإنسان عند أول خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة حتى يخرج طفلًا، وبين بعثه بصيحة واحدة، فهي أهون عليه وأقل تعبًا وكبدًا [8] .

ووجه آخر: وهو"أهون على الله فيما يجب عندكم وينقاس على أصولكم، ويقتضيه معقولكم، لان من أعاد منكم صنعة شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها، وتعتذرون للصانع إذا خُطّئ في بعض ما ينشئه بقولكم: أوّل الغزو أخرق" [9] ، وهذا الوجه من أحسن الوجوه وأولاها بالتبني؛ لانه -سبحانه- خاطب العباد بما يعقلون، فهي على حسب ما اعتادوه في المفاضلة بين المخلوقين، وعلى حسب توهمهم، وهي طريقة العرب في كلامها، وبها نزل القرآن، خوطبوا بمقتضى كلامهم وبما يعتادون فيما بينهم [10] ، والذي يدل على أن هذا مراده - تعالى- قوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} لإزالة ما يعلق في الذهن - مما لا تصح نسبته إلى الله تعالى-من قوله أهون،"وللإشارة إلى أن قوله: {وَهُوَ أهون عَلَيْهِ} مجرد"

(1) مريم: 9.

(2) النساء: 30.

(3) آل عمران: 47.

(4) ينظر: شرح المفصل: 6/ 99 وحاشية الخضري: 2/ 53.

(5) معاني القرآن وإعرابه: 4/ 139.

(6) تفسير السمرقندي: 3/ 177.

(7) التفسير الكبير: 9/ 96.

(8) ينظر: جامع البيان: 21/ 43 والكشاف: 829.

(9) الكشاف: 828.

(10) ينظر: معاني القرآن وإعرابه: 4/ 139 وخزانة الأدب: 8/ 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت