قسمًا، إليك مع الصدودِ لأميلُ
فدلالة التّفضيل في أميل واضحة، فالشاعر كان ميالًا إلى البيت ومن فيه، وهو محب لهم، فلما هجرهم خوفًا من أعدائه، صار مع الصدود اشد من قبل الهجر ميلًا إليهم [1] .
أما قولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان فذهبوا إلى أن إضافة اسم التّفضيل لمجرد التخصيص -تخصيص الموصوف انه من بني مروان ليعرف أنه منهم- لا للتفضيل عليهم، إذ لا عادل فيهم سواهما [2] ، قال ابن عاشور في هذا المثال:"بنوا تخريجه على حكم تاريخي غير مُسَلَّم، مستندٍ على عصبية جائرة، حكمت بسلب العدل سلبًا مطلقًا عن كل واحد من بني مروان، وهو قولهم: الأشج والناقص أعدلا بني مروان، وفي ذلك التخريج تكلف عظيم لا يُقرّه ذوق سليم، على أن إيراد صيغة أفعل التفضيل، ثم ذكر مضاف إليه بعدها، مع أن كل ذلك لا قصد فيه إلى معنى التّفضيل، هو أمر غريب، إذ لو لم يكن لاستعمال تلك الصيغة داع اصلي أو نكتة بلاغية، فإن العدول إليها عن صيغ الأوصاف الأخرى يرجع إلى معنى العبث" [3] وهو في هذا يرى"أن نمنع ورود أفعل التّفضيل مسلوب المفاضلة في حالة الإضافة" [4] .
ولم يقف النحاة عند قولهم بجواز عروّ اسم التّفضيل المضاف إلى المعرفة عن دلالته، بل صرح الخضري بإجماع النحاة على ذلك فقال:"ولا خلاف في جواز عروّه عن التّفضيل مع وجوب مطابقته" [5] .
ويبدو أن النظر والبحث في التراكيب اللغوية بعيدًا عن الدلالة العميقة التي يحويها هذا التركيب، نزولًا عند فكرة الشكل والمضمون، هي التي صرفت قسمًا من النحاة عن هدف البحث،"ذلك انهم شُغلوا بشكل اسم التّفضيل، وطريقة صوغه، وشروط صياغته وأحكام الإعراب فيه من حيث إعماله في المضمر والظاهر، أيعمل فيه؟ ومتى يكون ذلك؟ واشتهرت عندهم المسألة المعروفة بمسألة الكحل، شُغلوا بكل ذلك عن استيفاء المواضع التي يستعمل فيها، والمعاني التي يدل عليها، حتى أنهم اقتصروا على أقرب تلك المعاني وأيسرها خطبًا، وهو"
(1) ينظر: شرح أبيات سيبويه: السيرافي: 1/ 185.
(2) ينظر: حاشية الصبان: 3/ 49 و حاشية الخضري: 2/ 52.
(3) تحرير أفعل التّفضيل من رِبقة قياس نحوي فاسد: مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، عدد البحوث والمحاضرات، الدورة (30) ، سنة 1963 - 1964، ص 69 - 70.
(4) م. ن: 70.
(5) حاشية الخضري: 2/ 52.