المعنى، أي معنى الفعل، قال الفراء:"ولا تكونوا أول من يكفر، فتحذف (من) ويقوم الفعل مقامها، فيؤدي الفعل عن مثل ما أدت من عنه من التأنيث والجمع وهو في لفظ التوحيد، ولا يجوز في مثله من الكلام أن تقول: أنتم أفضل رجل، ولا أنتما خير رجل، لأن الرجل يثنى ويجمع ويفرد فيعرف واحده من جمعه" [1] ، فالنكرة المضاف إليها اسم التفضيل إن كانت غير مشتقة من فعل فإنها تطابق ما قبلها، وإذا كانت صفة مشتقة كما في الآية جازت المطابقة وجاز الأفراد [2] .
من النحاة من يجعل (كافر) صفة لموصوف يؤدي معنى الجمع، فحذف الموصوف وقامت الصفة مقامه، كأنه قال: أوّل فريق أو فوج كافر به [3] ، والزمخشري يحمل الآية على تأويل المفضل، أي: لا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به [4] .
ويبدو أن ما ذهب إليه الفراء هو الأكثر موافقة لأسلوب القرآن الكريم؛ ذلك أن اسم الفاعل يعاقب الفعل في آياته ويحمل على معناه، كقوله -تعالى-: {لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [5] ، فانه يحمل على معنى (من أسلم) في قوله -تعالى-: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} [6] ، ويشهد له قول الشاعر [7] :
وإذا هُمُ طَعمُوا فَأَلأَمُ طَاعم ... وإذا هُمُ جَاعوا فشرُ جياع
تقديره: ألأم مَن طعم.
فإن قيل: كيف قال -تعالى-: {أَوَّلَ كَافِرٍ} مع أن كفار قريش قد تقدموا على أهل الكتاب بالكفر؟ فالجواب عنه: أنه -تعالى- أراد أول كافر به من أهل الكتاب، أو في وقت الخطاب، أو أول كافر مع المعرفة، لأن كفر قريش كان مع الجهل [8] ."وخصّ الأول بالذكر لأن التقدم فيه أغلظ" [9] ، كما أن التقدم بالإسلام والإيمان أعظم أجرًا، قال -تعالى-: وَأُمِرْتُ
(1) معاني القرآن: 1/ 32 - 33.
(2) ينظر: ارتشاف الضرب: 3/ 221.
(3) ينظر: حاشية ياسين: 2/ 105 وحاشية الخضري: 2/ 51.
(4) الكشاف: 73.
(5) الأنعام: 163.
(6) الأنعام: 14.
(7) لم نعرف قائله: ينظر: شفاء العليل: 2/ 616 وارتشاف الضرب: 3/ 223.
(8) ينظر: فتح القدير: 1/ 175 وتفسير السمرقندي: 1/ 114 والتفسير الكبير: 1/ 484.
(9) الجامع لأحكام القرآن: 1/ 228.