الصفحة 138 من 206

"لأنك لو رُمْتَ بناء مثل ذلك مما زاد على الثلاثة لزمك أن تحذف منه شيئًا فيكون حينئذ هدمًا لا بناءً" [1] .

وفي القرآن الكريم ورد أسرع في آيتين بتركيبين مختلفين وقد ذكر المفضل عليه في الأولى دون الثانية، وهما قوله -عز وجل-: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [2] وقوله سبحانه: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [3] فقد جاء في الآية الأولى مضافًا إلى جملة المفضل عليهم (الحاسبين) وهو معرفة، أما في الآية الثانية فقد جرد من (أل) والإضافة ولفظ من. فالآية الأولى صورت سرعة الحساب يوم القيامة للفصل بين الخلق، والحكم لهم أو عليهم، بعد أن ردوا إلى مليكهم الحق، ولا يتأتى لنا فهم دلالة أسرع بمنأى عن المضاف إليه، وهو اسم الفاعل المجموع (الحاسبين) فالجذر ح. س. ب يدل في أصل اللغة على العد والإحصاء [4] ، فالله -تعالى- أحصى عدد خلقه {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} [5] فحسابه عن علم ودراية لا يمسه النسيان {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [6] وحسابه موصوف بدقته وعدله {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [7] وهو مع دقته وعدله موصوف بسرعته {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [8] فحساب البشر إن كان سريعًا لم يكن دقيقًا، وإن كان دقيقًا لم يكن سريعًا، وبعد أن عرفنا أن الحساب في القرآن الكريم يستعمل للدلالة على العدّ والإحصاء، تبين أن اسم الفاعل (حاسب) يدل على من قام بالعدّ والتقدير، فقوله -تعالى-: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} يدل على انه موصوفون بسرعة العدّ والتقدير، لكن الله -تعالى- أسرع من حسب عدد الخلائق وآجالها وأعمالها، وأحصاها وعرف مقاديرها ومبالغها، لانه لا يحسب بعدٍ ولا بعقد يد ولكنه يعلم ذلك [9] .

(1) شرح المفصل: 6/ 91.

(2) الأنعام: 62.

(3) يونس: 21.

(4) ينظر: مقاييس اللغة: 2/ 59.

(5) مريم: 94.

(6) المجادلة: 6.

(7) الأنبياء: 47.

(8) الأنعام: 62.

(9) ينظر: جامع البيان: 7/ 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت