الصفحة 139 من 206

ونقل أبو حيان الأندلسي روايات في تقدير سرعة الله -تعالى- فقال:"وسرعته بانقضائه عجلًا لقصر مدته: فرُوي بمقدار حلب شاة، وروي بمقدار فواق ناقة، وروي بمقدار لمحة البصر ..." [1] والصحيح أن سرعة حساب الله -تعالى- لا تحد بحدود، ولا تقدر بمقدار، وما نقله أبو حيان إنما هو على وجه التقريب.

والسرعة متعلقة بالزمن والعلم، فقوله -تعالى-: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} أي: يحاسب جميع الخلائق في أسرع زمان وأقصره، لا يشغله حساب عن حساب، ولا شأن عن شأن [2] ، فهو سبحانه لا يحتاج إلى فكر أو روية؛ لما علم ما للمحاسب وما عليه قبل حسابه، فهو يحاسب العالَم كحساب رجل واحد؛ لأنه بغير مباشرة ولا علاج [3] .

وإذا كان النحاة قد نصوا على أن اسم التفضيل لا يضاف إلاّ لما هو بعضه، فكيف جاء {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} وهو ليس من جنسهم؟ وللإجابة عنه قيل: إن صحت المشاركة بين العبد وربّه في الصفة كانت إرادة التفضيل باقية على حقيقتها، فقوله: (أسرع الحاسبين) ليس التفضيل فيه بين ذات الله - تعالى - وذات العبد؛ وإنما هو في سرعة الحساب فيصح المعنى، لانه يصير أسرع حاسب من سائر الحاسبين، ومن ثمّ قيل في إطلاق اسم التفضيل على الخالق والمخلوق:"هل هو بطريق التواطؤ، أو بطريق الاشتراك اللفظي أو المعنوي، فإن قلنا بالاشتراك اللفظي امتنع في هذه الأشياء أن تكون للمفاضلة لعدم المشاركة في المعنى، وان قلنا بالاشتراك المعنوي جاز، والحق الأول فانه لا مناسبة بين القديم والحادث في معنى من المعاني وإنما الاسم واحد والمعاني مختلفة" [4] .

كما أن (الحاسبين) "المجرور بالإضافة جميع أجزائه مفضولة إلا صاحب أفعل"

-وهو المفضل - الداخل فيه معها" [5] ، لذلك جاز إفراده وتذكيره كاسم التفضيل المقترن"

بـ من؛ لان المجرور بـ من مفضول بجميع أجزائه أيضًا [6] .

(1) البحر المحيط: 2/ 114.

(2) ينظر: إرشاد العقل السليم: 2/ 395.

(3) ينظر: البحر المحيط: 2/ 114 - 115 والقاموس المحيط: 3/ 38.

(4) حاشية ياسين: 2/ 105.

(5) شرح الرضي على الكافية: 3/ 458.

(6) ينظر: م. ن: 3/ 458.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت