الصفحة 140 من 206

فالسرعة"صفة لله فعلية اختيارية ثابتة له، لقوله - صلى الله عليه وسلم - {من حديث عن أبي هريرة} - رضي الله عنه - مرفوعًا:"إن الله قال: إذا تلقاني عَبدِي بِشبرٍ تَلقيتُهُ بِذرَاعٍ، وإذا تلَقَانِي بِذرَاعٍ تَلقَيتُه بِبَاعٍ، وإذا تَلقَانِي بِباعٍ جِئتُه مُسرِعًا" [1] ، لكن الله سبحانه لا يسمى بها."

أما قوله -تعالى-: {قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} فنجد تركيبًا من نوع آخر، فقد جاء اسم التفضيل أسرع مجردًا من الألف واللام والإضافة، ولفظ من، ونصب المصدر (مكرًا) على التمييز، وأسرع يجوز أن يكون من قسم التفضيل المقترن بـ من ومن وما بعدها، حذفا للعلم بهما، وهما مقدران، وتقدير الكلام على هذا: مكر الله - وهو المجازاة - أسرع من مكركم، وهو التكذيب والجحود بآياته سبحانه، ويصح أن يكون من قسم التفضيل المضاف إلى المعرفة، على تقدير أن المحذوف هو الضمير المتصل الذي يعود على (الناس) في أول الآية، والمراد بهم المستهزؤون بآيات الله، والتقدير: قل الله أسرعهم مكرًا، ومثله قوله -تعالى-: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} [2] قال الطبري في تقدير المضاف إليه المحذوف: فالله خيركم حافظًا، ثم حذفت الكاف والميم [3] ، وأيًا كان تقدير المحذوف سواءً كان من أو المضاف إليه، فان السياق اكتفى بالتركيب لتمام المعنى وصحة التعبير.

والفرق بين التركيبين في الآيتين عظيم، إذ جاء كل تركيب بما يناسب المعنى في ذلك السياق، فلو أن الله -تعالى- استبدل مكان قوله -تعالى-: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} ما يشبهه {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} فقال (وهو أسرع حاسبًا) لما دلّ على مراده -تعالى- لأن المعنى سيكون: حاسب الله أسرع من كل حاسب، فيسند فعل الحساب لغير الله -تعالى- وهو لا يلائم سياق الآية، فهي في معرض بيان قدرته -تعالى- فله الخلق والأمر من قبل ومن بعدُ، فقصرَ الحكم عليه بتقديم شبه الجملة (له) خبرًا عن الحكم ثم ختمَ ذلك بقوله: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} ، لأن نسبة السرعة للملائكة أو غيرهم يضعف المعنى والتركيب، فأما من جهة المعنى فهو التفات في معرض بيان قدرته إلى غيره، وأما التركيب، فهو عدم رعاية الفاصلة.

والأمر يختلف تمامًا مع قوله -عز وجل-: {اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} فلو قال (قل الله أسرع الماكرين) لكان الله جلّ في علاه من جملة الماكرين مفضلًا عليهم، وهو جلّ شأنه

(1) معجم ألفاظ العقيدة: عامر عبد الله فالح: 228.

(2) يوسف: 64.

(3) جامع البيان: 13/ 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت