فهرس الكتاب
لا يريد ذلك، فليست المقارنة بينهم وبين الله، وإنما المقارنة بين سرعة مكرهم وبين سرعة مكر الله -تعالى- الذي هو المجازاة على المكر الأول.
ولما أُبهم معنى أسرع في أي شيء هو؟ جاء بـ (المكر) منصوبًا على التمييز، ليعلم أن السرعة فيه، فالله -تعالى- متصف بأنه أسرع مكرًا مع أنه لم يصفهم بسرعة المكر فكيف صحت المفاضلة مع أن الأول فاقد للصفة المشتركة ظاهرًا؟
استدل علماء التفسير على سرع مكرهم بثلاثة أشياء:
الأول: التعبير بالذوق، في قوله -تعالى-: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} الذي هو أول المخالطة أي: سارعوا إلى تدبير المكر مع أول ذوق الرحمة، وقبل أن يداموا استطعامها [1] .
الثاني: لفظ (من) في قوله: {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ} التي هي لابتداء الغاية، أي ينشأ مكرهم ويبدأ إثر انكشاف الضر عنهم، ولا يمهلوا في ذلك [2] .
الثالث: (إذا) الفجائية، في قوله -تعالى-: {إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ} كأنه قال:"وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجئوا وقوع المكر منهم، وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء، ولم يتلبثوا ريثما يسيغون غصتهم" [3] .
فهذه الثلاثة تضمنت سرعة وقوع المكر منهم، ومعنى وصف المكر بالأسرعية، انه - تعالى جدّه - قضى بعقابهم قبل أن يدبروا مكائدهم [4] ، فهو أعجل عقوبة، وأشد أخذا، وأقدر على هلاكهم بما أتوه من المكر [5] ، وعقوبتهم التي قضى عليهم هي استدراجهم وإمهالهم ومدّهم في طغيانهم، ليزدادوا إثمًا على إثمهم ثمّ يأخذهم على حين غرّة [6] {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [7] .
(1) ينظر: نظم الدرر: 9/ 96 والبحر المحيط: 5/ 140.
(2) ينظر: البحر المحيط: 5/ 140.
(3) الكشاف: 460.
(4) ينظر: نظم الدرر: 9/ 97 والكشاف: 460.
(5) ينظر: تفسير البغوي: 598 والجامع لأحكام القرآن: 8/ 206.
(6) ينظر: تفسير ابن كثير: 928.
(7) يس: 50.