فهرس الكتاب
الصفة فصار في عدم التأثر بها شبيها بالحجر [1] ، فالقلب شارك الحجارة في أصل القسوة، وأمتاز بأنه أشد منها قسوة وذلك لوجوه [2] :
أحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة، ولقيتها هذه الآية لقبلتها.
ثانيها: أن الحجارة ليست ممتنعة من تسخير الله -تعالى- لها، بل هي منصرفة منقادة له.
ثالثها: أن الحجارة ينتفع بها في البناء، وينبثق منها الماء.
ومعنى القسوة في القلب:"ذهاب الّلين والرحمة والخضوع والخشوع منه" [3] ، و (قسوة) تمييز منقول من المبتدأ، وهو نقل غريب فأصل الكلام: قسوة القلب أشد من قسوة الحجارة، فلما نصب (قسوة) تمييزًا، أقيم ما كان مضافًا إليه مقامه، وحذف المفضل عليه مع من لعدم الالتباس [4] ، ومثله قوله -تعالى-: {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} [5] فـ (بأسًا وتنكيلًا) تمييزا نسبة محوّلين عن المبتدأ إذ التقدير: بأس الله أشد وتنكيله أشد.
ولما كانت صياغة اسم التفضيل من بعض الأفعال ممتنعة؛ لفقدها شرطًا، أو أكثر من شروط التفضيل، جيء بـ أشد للوصول إلى التفضيل غير المباشر، ولم يذكر أشد دون
قصد، بل وقع الاختيار عليه، لمناسبته للمعنى، واستيفاءه للشروط، ويجاء بمصدر الفعل الأول الذي لا يصح صوغ اسم التفضيل منه، منصوبًا على التمييز بعد أشد كقوله -تعالى-: {لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ} [6] فالفعل رهب ليس مما يصلح صوغ اسم التفضيل منه لأنه مبني للمجهول، فهو فاقد لأحد شروط التفضيل وهو أن يكون مبنيًا للمعلوم، فلو قال (أنتم أرهب في صدورهم من الله) لصار المؤمنون المرهوبون هم الذين وقعت منهم الرهبة، وليس ذلك مراد الله -تعالى- قال أبو حيان الأندلسي:"ورهبة مصدر: رهب المبني للمفعول كأنه قيل: أشد مرهوبية، فالرهبة واقعة منهم لا من المخاطبين، والمخاطبون مرهوبون والمعنى: رهبتهم منكم أشد من رهبتهم من الله -عز وجل-" [7] .
(1) ينظر: التفسير الكبير: 1/ 555.
(2) ينظر: م. ن: 1/ 556.
(3) معاني القرآن وإعرابه: 1/ 140.
(4) ينظر: البحر المحيط: 1/ 428.
(5) النساء: 84.
(6) الحشر: 13.
(7) البحر المحيط: 8/ 247.