الصفحة 148 من 206

وفي الوقت ذاته نجد مواضع أخرى ورد فيها أشد مع أن الفعل الذي جاء مصدره منصوبًا على التمييز بعد أشد مما يصح صوغ اسم التفضيل منه، لاستيفائه الشروط

المطلوبة، كقوله -تعالى-: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [1] ولم يقل: أقسى، ومثله قوله -تعالى-: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا} [2] ولم يقل: أبطش، وكذلك {أَشَدُّ حَرًًّا} [3] و {أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [4] ولم يقل: أحر و أقوى.

وعن سبب ذلك يقول الزمخشري في تفسير قول الله -تعالى-: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} :"فان قلت: لِمَ قيل: أشد قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت: لكونه أبين وأدل على فرط القسوة، ووجه آخر: وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم اشد قسوة" [5] .

وجاءت الشدة مميزة مرة واحدة بالحب وذلك في قوله -تعالى-: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [6] فإن قيل: لمَ عدل عن أحب إلى (أشد حبًا) ؟ فالجواب عنه: هو أن أحب شاع في تفضيل المحبوب على محبوب آخر، تقول: هو أحب إلي ... يعني أن فعل أحب هو الشائع، وفعل (حب) قليل، فلذلك خصوا في الاستعمال كلًا بمواقع نفيًا، للبس فقالوا: أحب وهو محب واشد حبًا،

وقالوا: حبيب من حبَّ وأحب ألي من حبَّ أيضًا" [7] ."

فاسم التفضيل أشد جاء مجردًا من (أل) والإضافة ولفظ من، والمفضل عليه محذوف وهم المتخذون الأنداد، ومتعلق الحب الثاني فيه خلاف، فقيل، المعنى: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من المتخذين الأنداد لله، لأن حبّهم لله بواسطة، ولأنهم يعدلون عنه في الرخاء، يلجئون إليه في الضراء، وقيل المعنى: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من المتخذين الأنداد لأصنامهم [8] .

(1) البقرة: 74.

(2) ق: 36.

(3) التوبة: 81.

(4) الروم: 9.

(5) الكشاف: 82 - 83.

(6) البقرة: 165.

(7) التحرير والتنوير: 1/ 93.

(8) ينظر: البحر المحيط: 1/ 644.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت