الصفحة 149 من 206

والفرق في المعنى بين المتعلقين كبير: فعلى الأول يكون التفضيل واقعا بين محبّة المؤمنين لله -عز وجل-، وبين محبّة المشركين له -تعالى- ومن ثمّة تفضيل محبّة المؤمنين لله -تعالى- على محبّة المشركين له، أي: أننا نجد علاقة بين المحبّتين مشتركة.

أما المعنى على المتعلق الثاني فمختلف تمامًا، إذ لا شركة بين المحبّتين، فالمؤمنون لا يحبّون الأنداد وإنّما هو من قبيل: العسل أحلى من الخل، والتقدير: محبّة المؤمنين لله زائدة على محبّة المشركين للأصنام، وانتصب (حبًّا) على التمييز، ومقتضى التمييز بالأشدية أفراد المؤمنين له بالمحبّة، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ تقديره: حبّهم لله أشد [1] .

وقد يقتضي السياق اختيار لفظة ما في تركيب ما، لا تتناسب هذه اللفظة مع التركيب نفسه في سياق آية أخرى، من ذلك اختيار لفظة أشد في قوله -تعالى-: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} [2] والعدل عنها إلى أكبر في قوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} [3] ."وذلك لانّ الكلام في الآية الثانية عن كبيرات الأمور فقد مرّ فيها قوله {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} وقوله {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ} فناسب ذكر أكبر فيها، وليس السياق كذلك في الآية الأولى وإنما هي في سياق الشدة على الكافرين فقد قال فيها: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} وهذه شدة ظاهرة فناسب ذكر أشد فيها بخلاف الآية الثانية" [4] .

وإذا كان المعنى يمكن أن يستنبط من طبيعة أصوات اللفظ، فالأصوات في أشد تتناسب مع دلالته على القوة والصلابة، فالنطق بالهمزة لا يخلو من صعوبة بخلاف الحروف العربية الأخرى لانه حرف مخرجه بعيد [5] ، يضاف إليه صوت الشين مع ما فيه من تفشي يعقبه صوت الدال وهو أحد الأصوات الانفجارية، ليطرق الأذن بما يؤكده وجود مناسبة طبيعية بين

(1) ينظر: البحر المحيط: 1/ 644 - 645.

(2) البقرة: 191.

(3) البقرة: 217.

(4) التعبير القرآني: فاضل صالح السامرائي: 185.

(5) ينظر: التنغيم اللغوي في القرآن الكريم: سمير إبراهيم العزاوي: 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت