فهرس الكتاب
الصوت ومدلوله، تجعل الحرف يمتلك قيمة بيانية تؤثر في توجيه دلالة المفردة قوة وضعفًا [1] ، وهي مسألة مبسوطة في أمّات الكتب قديمًا وحديثًا.
ونحن إذا تقدمنا قليلًا حتى قوله -تعالى-: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [2] لوجدنا أن القرآن الكريم استعمل أشد وأقرب، لوصف حال فريقين من الناس هم اليهود والمشركون من جهة، والنصارى من جهة ثانية، ونبّه على عدم المقابلة بين الطرفين، من خلال عدم مقابلة أشد باسم التفضيل الذي يقابله وهو أضعف، وعدم مقابلة أقرب باسم التفضيل المقابل له وهو أبعد، مع تغيير المميز، قال أبو السعود:"والعدول عن جعل ما فيه التفاوت بين الفريقين شيئًا واحدًا قد تفاوتا فيه بالشدة والضعف، أو بالقرب والبعد بان يقال آخرًا: ولتجدن أضعفهم عداوة، أو بأن يقال أولًا: لتجدن أبعد الناس مودة ... ؛ للإيذان بكمال تباين ما بين الفريقين من التفاوت، ببيان أن أحدهما في أقصى مراتب أحد النقيضين، والآخر في أقرب مراتب النقيض الآخر" [3] .
وهنا ملحظ هام وهو أن أشد لم يضف إلى (الناس) إلا بعد أن تعيّين المفضل وهو اليهود والمشركون، وكذلك في (أقربهم مودة) ، ومثله قوله -تعالى- في تعذيب آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [4] فأشد لم يضف إلى العذاب إلا بعد أن تعيين أشده، وهو: نار الآخرة وما فيها، إذ لا حاجة في التعميم بعد التعيين.
كما أن أشد كان أحد صفتي العذاب الأليم في الآخرة، فالعذاب لا يكون أليمًا إلا إذا كان أشد وأدوم، لذلك وصف الله -تعالى- عذاب الآخرة بأنه: {أَشَدُّ وَأَبْقَى} [5] .
(1) ينظر: المناسبة الطبيعية بين اللفظ والمعنى في اللغة: عبد الكاظم الياسري، مجلة آداب البصرة
ع 35، لسنة 2002، ص 486.
(2) المائدة: 82.
(3) إرشاد العقل السليم: 2/ 311.
(4) غافر: 46.
(5) طه: 127.