فهرس الكتاب
فَعَقَرُوهَا [1] . وهنا يسأل: إذا كان النحاة قد نصوا على أن (أل) التي في اسم التفضيل لا تكون في موضع من المواضع إلا للعهد [2] ، فالآية لم تذكر معهودًا قبل اسم التفضيل يشار إليه، فما السبيل إلى مثل ذلك؟ قلنا: لا بدّ أولًا من تعيين المقصود بـ الأشقى ثم بيان الجهة التي زاد وفضل عليها شقاء، فقد ذهب الزمخشري إلى أن المقصود بـ الأشقى هو الكافر؛ لانه أشقى من الفاسق، أو الذي هو أشقى من الكفرة، لتوغله في عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [3] ، وزاد أبو حيان الأندلسي:"هو أشقى الكفار كما أن المؤمن به وبما جاء به هو افضل ممن آمن برسول قبله" [4] ، وللفخر الرازي تقسيم آخر، فهو يجعل أقسام الخلق ثلاثة: العارف والمتوقف والمعاند، فالسعيد هو العارف والمتوقف له بعض الشقاء، والأشقى هو المعاند الذي لا يصغي إلى الدعوة ولا يلتفت إليها [5] ، فإذا علمنا ذلك تبين أن (أل) إنما يشار بها إلى الفاسق أو من يسميه الرازي المتوقف، لأنه يشارك الكافر في بعض الشقاء فتكون الإشارة إلى مذكور في الحكم لا في اللفظ.
وقوله -تعالى-: (يتجنّبها) يشعر بشدة التكلف والصعوبة التي لقيها الكافر في تجنب الذكرى والإعراض عنها كليًا، فكأنه ينسلخ عن فطرته السليمة،"ولما كان هذا الذي يعالج نفسه على العوج شديد العتو قال الأشقى" [6] ، فلبس ثوب الشقاء بعد أن خلع فطرته السليمة، فناسب أشقى الأشقياء أن يصلى أعظم النيران [7] ، فقال -تعالى-: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [8] ، فالجزاء من جنس العمل. وقيل: إن الأشقى لا يراد به معنى التفضيل بل الصفة المشبهة فمعنى الأشقى:"الشقي الذي وجب في علم الله -تعالى- أن يدخل النار" [9] أما قوله -تعالى-: {لا يَصْلاهَا إِلا الأشقى} فقد جاء اسم التفضيل في سياق يشبه السياق الأول، فإذا كان
(1) الشمس: 12 - 14.
(2) ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3/ 453.
(3) ينظر: الكشاف: 1196.
(4) البحر المحيط: 8/ 454.
(5) ينظر: التفسير الكبير: 11/ 134.
(6) نظم الدرر: 21/ 399.
(7) ينظر: التفسير الكبير: 11/ 134.
(8) الأعلى: 12.
(9) تفسير السمرقندي: 3/ 471 وينظر: تفسير البغوي: 1401.