فهرس الكتاب
الأشقى قد توعده الله في الآية الأولى بتصلية النار الكبرى"وهي السفلى من أطباق النار" [1] ، فقد توعده في الآية الثانية بلظى، وهو ما يؤكد أن للنار دركات وأطباق وان كل منزلة تختص بصنف من الناس، فاختصت لظى بهذا الصنف، واختصت سقر بمن لم يكن من المصلين، واختص الدرك الأسفل بالمنافقين [2] .
فالحصر في قوله -تعالى-: {لا يَصْلاهَا إِلا الأشقى} لا ينافي قوله في آية الورود: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [3] فالورود غير الصلى، لانه"الدخول بزمن غير الصلى" [4] ، أما التصلية في أصل اللغة فهي أن يحفروا حفيرًا فيجمعوا فيه جمرًا كثيرًا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر فليس بمصليّ، فهي أشد أنواع الإحراق بالنار، ولما كان الناس عند أهل السنة ثلاثة
أصناف، مؤمن صالح، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الصالح يمر على النار فيطفئ نوره لهبها، ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحِلَةَ القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها البتة، والكافر هو المعذب بين أطباقها، تبين أن النار لا يصلاها، أي: يعذب بين أطباقها إلا الكافر وهو الأشقى، لان المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء فهو لا يصلاها، ولا يجنبها بالكلية، وان المؤمن الفائز هو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي، فهو يجنب النار بالكلية [5] ، فإخراج اسم التفضيل هنا عن دلالته إلى معنى (الشقي) يوردنا المهالك إذ يجعل التصلية لازمة لكل شقي، فيجتمع المسلم العاصي مع المشركين والمنافقين في النار، وهذا لا يقول به أحد من أئمة المسلمين، ومن خلال ذلك تتضح أهمية اسم التفضيل في الدلالة على تفاوت الناس في الإيمان، وتفاوت النار والجنة تبعًا لذلك في الدركات والدرجات وما كان هذا التفاوت ليعبر عنه بغير اسم التفضيل إلا بعبارات مسهبة مستطردة، وهذا يتنافى مع أسلوب القرآن المعجز.
أما قول الله -عز وجل-: {إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} ، فقد ذكرنا فيما سبق أن المفضل إذا تعيين فإن اسم التفضيل يضاف إلى جملة المفضل عليه، والمفضل في الآية هو من سماه
(1) معاني الفراء: 3/ 256.
(2) ينظر: أضواء البيان: 6/ 60.
(3) مريم: 71.
(4) ينظر: أضواء البيان: 6/ 61.
(5) ينظر: الكشاف: 1207.