الصفحة 157 من 206

مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى [1] ، فلم يسبق بمن الاستفهامية، ومن التفضيلية وما بعدها حذفًا للعلم بهما، وحسن حذفهما كون اسم التفضيل وقع خبرًا لـ (كان) وقد نصّ النحاة على جواز ذلك وشهرته بقولهم:"وأكثر مواضع حذفهما حين يكون اسم التفضيل خبر مبتدأ أو خبر ناسخ [2] ."

وأختُلف في تقدير المفضل عليه المحذوف مع من، فهو عند الطبري يشمل جميع الفرق الكفرية التي أهلكها الله من بعد قوم نوح من الأمم [3] ، وقيل: أظلم وأطغى من الطائفتين المذكورتين عاد وثمود [4] ، ويجوز عند القرطبي أن يكون الضمير (هم) في الآية عائدًا إلى كل مَن ذُكر من عاد وثمود وقوم نوح وأنّ المفضل عليه هم مشركو العرب، أي: أن عادًا وثمود وقومَ نوح كانوا أظلم وأطغى من مشركي العرب [5] .

ولعل إبقاء اسم التفضيل على إطلاقه كما ورد مطلقًا من كل ما يقيده بالمفضول أدل على فرط ظلمهم، وتجاوزهم ليستغرق جميع ما في الباب من دلالة، وكأنّهم أصبحوا مجردين من أي معنى غير الظلم والطغيان، بل صاروا الظلم بعينه، وبلغوا النهاية في تعدد الخصال الذميمة بدلالة ذكر أسوئها وهو الظلم والطغيان، والرازي كان أدل على معنى أظلم ووجه استعماله دون غيره ناقضًا حجة الظالمين الذين لم يعتبروا بهلاك قوم نوح القائلين: هم أظلم ونحن ظلمه فلا نهلك بقوله:"المقصود بيان شدتهم وقوة أجسامهم فأنهم لم يقدموا على الظلم والطغيان الشديد إلا بتماديهم وطول أعمارهم، ومع ذلك ما نجا أحد منهم، فما حال من هو دونهم من العمر والقوة" [6] ، وقُرن لفظ أظلم باسم تفضيل آخر هو أطغى وفعله:"طغى يطغى طغيًا ويطغُو طغيانًا جاوز القدر، وأرتفع، وغلا في الكفر" [7] وهو أدلّ على تجاوز ظلمهم لأنه أدخل في الظلم.

(1) النجم: 50 - 52.

(2) ينظر: شرح التصريح: 2/ 100 - 101 وحاشية الصبان: 3/ 45.

(3) ينظر: جامع البيان: 27/ 92.

(4) ينظر: نظم الدرر: 19/ 79 وفتح القدير: 5/ 155.

(5) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 17/ 78.

(6) التفسير الكبير: 10/ 284.

(7) لسان العرب: 2/ 596.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت