فهرس الكتاب
ولعل وراء توالي أسماء التفضيل غايةً وغرضًا لا يخفي، ذلك أن اسم التفضيل إذا كان دالًا على الزيادة في أمر حسن، كان التوالي لغرض المدح كقوله -تعالى-: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [1] وقوله: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [2] ، وأن كان دالًا على الزيادة في شأن سيّء كان التوالي لغرض الذم كما في الآية، وقد يتكرر لزيادة التفظيع والتهويل، كما في قوله -تعالى-: {بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [3] .
وإن كان المفضل عليه قد حذف من آية النجم، لإرادة إطلاق اسم التفضيل والاقتصار على الأخبار الذي أغنى عن التطويل، فقد اقتضى مجيء اسم الاستفهام في آية البقرة ذكر من التفضيلية ومجرورها مع الاستطراد قليلًا في بيانه وذلك في قوله -تعالى-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [4] والمعنى:"وأيّ امرئ أشد تعديًا وجراءة على الله من امرئ منع مساجد الله أن يعبد فيها؟" [5] ، و (سعى) معطوف على (منع) أي: ومن أظلم ممن منع وممن سعى [6] ،"وهذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أنّ هذا الظلم متناهٍ، وانه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم" [7] وفسروا (ومن أظلم) بمعنى: لا أحد أظلم، لأن أصل (من) نكرة موصوفة، فلما وقع الاستفهام الإنكاري في معنى النفي صارت النكرة في سياق النفي، فقيل: لا أحد أظلم [8] .
وفي مجيء اسم التفضيل في هذه الآية إشكال عند بعض المفسرين: لأن الشرك ظلم لقوله -تعالى-: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [9] ، فهو أعظم من ظُلْمِ مَن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وللجواب عنه قال الرازي:"أقصى ما في الباب أنه عام دخله التخصيص فلا يقدح فيه" [10] ، ومن المفسرين من يرى أن"المانع من ذكر الله الساعي في خراب المسجد لا يكون إلاّ"
(1) طه: 73.
(2) المزمل: 20.
(3) القمر: 46.
(4) البقرة: 114.
(5) جامع البيان: 1/ 572.
(6) ينظر: م. ن: 1/ 573.
(7) فتح القدير: 1/ 257.
(8) ينظر: التحرير والتنوير: 1/ 679.
(9) لقمان: 13.
(10) التفسير الكبير: 2/ 12.