فهرس الكتاب
كافرًا مبالغًا في الكفر لا أظلم منه في الناس" [1] ، ورُدّ ذلك بأن الكافر الذي قتل نبيًا أو ضربه أو أهانه أظلم من المانع المذكور، وقيل الجواب القاطع للشبهة هو: أنّ المراد بذلك شدة الظلم لا نفي الأظلمية [2] ، فأُخرج اسم التفضيل عن دلالته مع أن من التفضيلية مذكورة صراحة، وذهب النيسابوري إلى أن المانع إن كان مشركًا فقد جمع إلى شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدّعي الإسلام ففعله مناقض لقوله فهو منافق والمنافق كافر أسوأ حالًا من الكافر الأصلي بالاتفاق [3] ."
وأحسن ما قيل في الخروج من هذا الإشكال قول أبي حيان الأندلسي:"إنما هذا للأظلمية، ونفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظالمية وبهذا لا يكون تناقضًا، لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية، وصار المعنى: لا أحد أظلم ممن منع، وممن افترى، وممن ذُكر، فلا يدل على أحد هؤلاء أظلم من الآخر، كما أن قولنا: لا أحد افقه من زيد وعمرو وخالد، لا يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر، بل نفيٌ أن يكون أحد افقه منهم، كما لا يقال: إن من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ولم يفترِ على الله الكذب أقل ظلمًا ممن جمع بينهما، بل هما متساويان، لأن هذه الآيات كلها في الكفار وهم متساوون في الأظلمية، وإن اختلفت طرق الأظلمية فكلها صائرة إلى الكفر، فهو شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة لأفراد من اتصف به، وإنما الزيادة في الظلم بالنسبة لهم وللعصاة المؤمنين لأنهم اشتركوا معهم في المخالفة فتقول: الكافر أظلم من المؤمن العاصي، ولا أحد أظلم من الكافر" [4] .
واختلاف الفعل في صدر الصلة من آية إلى أخرى كقوله -تعالى-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [5] وقوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً} [6] وقوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [7] إذا أخذ على ظاهره سبق إلى الذهن التناقض وتوهم انه مشكلٌ، لأنّ المتأول يقول: لا أحد أظلم من المفتري، ثم يقول: لا أحد أظلم من المانع للذكر، ثم لا أحد أظلم من المعرض، وكذا الباقي"فتُأُوّل ذلك على أن خُصَّ كل واحد بمعنى صلته، فكأنه"
(1) تفسير البيضاوي: 1/ 386.
(2) ينظر: م. ن: 1/ 386.
(3) ينظر: غرائب القرآن: 1/ 371.
(4) البحر المحيط: 1/ 527.
(5) الأنعام: 21.
(6) البقرة: 140.
(7) الكهف: 57.