فهرس الكتاب
وقيل: بل المراد بالأعز فريق الأنصار، وبالأذل فريق المهاجرين؛ لأن العزة من الأمور النسبية التي تحصل بوفرة العدد والعدة وسعة المال، فأهل المدينة آنذاك أعز لأنهم أكثر عددًا وأموالًا، فأراد ليخرجن الأنصار من مدينتهم من جاءها من المهاجرين فرد الله -تعالى- عليهم بقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [1] [2] لأن من كان الله معه بالنصر والتأييد فهو الغالب القاهر الأعز، فعزة الله هي العزة المطلقة: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [3] وعزة النبي - صلى الله عليه وسلم - {والمؤمنين مستمدة منها، فمن شاء الله أعزّه ومن شاء أذلّه تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [4] فهم كنّوا عن فريقهم بالأعزّ وعن المؤمنين بالأذلّ، وأثبتوا للأعزّ الإخراج فأثبت الله -تعالى- في الرد عليهم صفة العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين دون تعرض لإثبات حكم الإخراج، ولا لنفيه.
وفي إعراب الأعزّ والأذلّ، قال أبو حيان الأندلسي:"فالأعزّ فاعل والأذلّ مفعول" [5] وأيده مكي القيسي بقوله:"وهذا وجه الكلام؛ لأن الفعل متعد إلى مفعول لانه من: أخرج" [6] .
ويدل على أن العزة إنما تحصل بوفرة العدد وسعة المال قوله -تعالى-: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [7] إذ جاء اسم التفضيل أعزّ مجردًا من (أل) والإضافة ولفظ من لدلالة (من) الأولى.
ونصب أعزّ (نفرًا) على أنه تمييز فأزال به الغموض العالق به، وهو يدل على أن أسباب العزة متنوعة، منها (النفر) وكذلك الرهط في قوله -تعالى-: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ - قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ} [8] فكأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعزّة علينا، ولذلك قال في جوابهم: أرهطي أعزّ عليكم من الله؟ فأقترن أعزّ بمن جارة المفضول وهو لفظ
(1) المنافقون: 8.
(2) ينظر: التحرير والتنوير: 28/ 249.
(3) فاطر: 10.
(4) آل عمران: 26.
(5) البحر المحيط: 8/ 270.
(6) مشكل إعراب القرآن: 2/ 736.
(7) الكهف: 34.
(8) هود: 91 - 92.