الصفحة 169 من 206

أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تدميرًا [1] . فالأكبرية هي بالنسبة إلى المجرمين، وإيراد أكابر مجموعًا في حال الإضافة إلى معرفة يرد قول ابن السراج بوجوب إفراده وتذكيره في هذه الحال ردًّا واضحًا [2] .

وهنا ملحظ هام، وهو أن القرآن الكريم لم يقتصر في استعمال لفظة أكبر على المفاضلة بين الماديات فحسب، وإنما استعمله في المفاضلة بين المعنويات أيضا، قال

-تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [3] فليس المراد بـ أكبر عظم جثتهما؛ لأن أكثر الناس يعلمونه، ولا أن خلقهما أكمل وأتقن من خلق الإنسان؛ لأنه يعارضه قوله -تعالى-: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [4] وقوله -تعالى-: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} [5] ، ولا المراد بأنهما: أفضل، لقوله -تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [6] إنما أراد سبحانه ما خصهما من عجائب صنعه وحكمته التي لا يعلمها إلا مَن وصفهم بقوله: {يَتفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [7] [8] . فلو تفكروا لما تكبروا، فما لأحدهم يجادل في آيات الله بغير سلطان أتاهم؟ {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [9] ثم أعقبه بقوله: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} فدل على أن علّة التكبر عدم التدبر.

وقد يأتي أكبر للموازنة بين عظيمين، أي: مستنكَرَين، وتفضيل أحدهما على الآخر قال -عز وجل-: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} [10] .

(1) الإسراء: 16.

(2) ينظر: الأصول في النحو:1/ 124 وأوضح المسالك إلى ألفية أبن مالك: ابن هشام: 184.

(3) غافر: 57.

(4) النمل: 88.

(5) طه: 50.

(6) الإسراء: 70.

(7) آل عمران: 191.

(8) المفردات: 439.

(9) غافر: 56.

(10) البقرة: 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت