فهرس الكتاب
كما أخبر سبحانه أن الفتنة أكبر من القتل، مصرحًا بالمفضول هنا وهو (من القتل) ولم يحذف لأنه لا دليل على حذفه، بخلاف قوله (أكبر عند الله) فانّه تقدّمه ذكر المفضول عليه وهو القتال [1] .
ووردت الكبرى مؤنث الأكبر في غير موضع من كتاب الله العزيز، للمفاضلة في نار الآخرة وكون بعضها أكبر من بعض، وأشد حرارة، قال -تعالى-: {سَيَذَّكَّرُ منْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [2] وهي السفلى من أطباق النار، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى نار الدنيا [3] ، ومعلوم أن أيّ معنى يُراد من هذه المعاني لابدّ أن يكون معهودًا فيما بين الناس حتى يصلح صرفُ سياق النظم إليه، فالنار المعهودة لدى الناس بأنها أكبر من غيرها مما يحصل بها التخويف هي نار جهنم، لذلك نصّ النحاة على أن الألف واللام في اسم التفضيل لا تكون إلا للعهد [4] ، ولا يبعد أن تكون الطبقة السفلى من النار هي جهنم نفسها، فللنار كما يقول الرازي: دركات سبعة هي: جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، والجحيم، والهاوية، وسقر [5] ، وهذا من بليغ حكمته -تعالى- فكما أن ذنوب العباد متفاضلة فإن في الآخرة نيرانًا ودركات متفاوتة، فالكافر الذي هو أشقى الأشقياء يصلى أعظم النيران [6] ، وكذا المنافق قال -تعالى-: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ} [7] .
وتجمع الكبرى جمع تأنيث سالم وهو الكبريات، وجمع تكسير وهو الكُبَر، ولم يرد الأول في القرآن الكريم مطلقًا، وفي الثاني جاء قوله -تعالى-: {إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ} [8]
أي: إن سقر لإحدى الدركات السبع، أو إحدى الدواهي والأمور العظام [9] .
(1) ينظر: البحر المحيط: 2/ 158.
(2) الأعلى: 10 - 12.
(3) الكشاف: 1196، معاني الفراء: 3/ 256.
(4) ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3/ 453.
(5) ينظر: التفسير الكبير: 1/ 714.
(6) ينظر: م. ن: 1/ 714.
(7) النساء: 145.
(8) المدثر: 35.
(9) ينظر: التفسير الكبير: 10/ 714 والبحر المحيط: 8/ 370 وتفسير غريب القرآن: 497.