الرابع: الاعتقاد"لأنّ التفضيل قد يقع على سبيل الاعتقاد لا على سبيل الوجود" [1] وعلى هذا يكون التقدير: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا من مستقركم أيها الكفار على حدِ علمكم واعتقادكم أن في النار خيرًا،"وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار، صاروا كأنهم يقولون: أن في النار خيرًا" [2] .
ويحتمل خير أن يكون دالًا على المفاضلة بين مستقر أهل الجنة في الجنة وبين مستقرهم ومقيلهم في الدنيا، لأنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، وفي هذا تبشير لإخوانهم الذين لمّا يلحقوا بهم بأن يسارعوا إلى ما هو خير وأحسن.
ويحتمل خير أن يكون قد استعمل لبيان الكمال والزيادة في وصفه الخاص، وإن لم يكن هناك اشتراك بين المتفاضلين، فيحمل على قولهم: العسل أحلى من الخل والصيف أحر من الشتاء فيكون تقدير الآية: مستقر أهل الجنة ومقيلهم أكمل في خيريته من مستقر ومقيل أهل النار في شريته، قال الفراء:"وأهل الكلام إذا اجتمع لهم أحمق وعاقل، لم يستجيزوا أن يقولوا: هذا أحمق الرجلين، ولا أعقل الرجلين، ويقولون: لا نقول: هذا أعقل الرجلين إلا لعاقلين تفضل أحدهما على صاحبه، وقد سمعت قول الله {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} فجعل أهل الجنة خيرًا مستقرًا من أهل النار، وليس في مستقر أهل النار شيء من الخير، فأعرف ذلك من خطائهم" [3] ، واعترضه القرطبي بقوله:"والكوفيون يجيزون العسل أحلى من الخل، وهذا قول مردود؛ لأنّ معنى فلان خير من فلان، أنّه أكثر خيرًا منه ولا حلاوة في الخل، ولا يجوز أن يقال: النصراني خير من اليهودي؛ لأنّه لا خير فيهما فيكون أحدهما أزيد في الخير، لكن يقال: اليهودي شرّ من النّصراني، فعلى هذا كلام العرب" [4] والآية ليست من هذا القبيل، لأنّ أحد طرفي التفضيل يحمل صفة الخيريّة، وفي المثال المذكور لا يحمل هذه الصفة كلا المشركين.
وجائز أن يكون خير قد ورد على سبيل التهكم [5] ، كأنه قيل: لأهل النار تقريعًا
لهم: مستقر أهل الجنة ومقيلهم خير من مستقركم ومقيلكم، ويجوز أن لا يراد بـ (خير وأحسن) تفضيل شيء على آخر، وإنّما لإثبات الصفة للموصوف دون تفضيل، وتخصيص أهل الجنة
(1) البحر المحيط: 6/ 452.
(2) الجامع لأحكام القرآن:13/ 8.
(3) معاني القرآن: 2/ 266 - 267.
(4) الجامع لأحكام القرآن: 13/ 17.
(5) ينظر: إرشاد العقل السليم: 5/ 6.