والمراد بهذا التبعيض"كون مجرورها بعضًا، لا التبعيض المتقدم في حروف الجر" [1] ، وابطل ابن مالك إفادتها التبعيض، وله في هذا الإبطال دليلان [2] :
الأول: أنه لا يصح حلول لفظ (بعض) محلها، وقد علمنا أن من الدالة على التبعيض هي التي يصح حلول لفظ (بعض) محلها.
والثاني: أن المجرور بها قد يكون عامًا، نحو قولك: الله أعظم من كل عظيم، وأكبر من كل كبير، وذهب إلى أن من التفضيلية دالة على المجاوزة، فإذا قلت: زيد أفضل من عمرو، كان المعنى جاوز زيد عمرًا في الفضل [3] ، كما ابطل دلالة من هذه على الابتداء قائلًا:"ولو كان الابتداء مقصودًا لجاز أن يقع بعدها (إلى) " [4] . واعترضه ابن هشام في المغني [5] ، بأنها لو كانت للمجاوزة لصح أن تقع موقعها (عن) ، وهو مردود؛ لان"صحة وقوع المرادف موقع مرادفه إذا لم يمنع مانع، وهنا منع مانع وهو الاستعمال، لان اسم التّفضيل لا يصاحب من حروف الجر إلا من" [6] .
والظاهر ما ذهب إليه المبرد؛"لان الانتهاء قد يترك الإخبار به لكونه لا يعلم، أو لكونه لا يقصد الإخبار به، ويكون ذلك أبلغ في التّفضيل إذ لا يقف السامع على محل الانتهاء" [7] ، وإليه ذهب ابن يعيش موضحًا معنى الابتداء في من بقوله:"زيد أفضل من عمرو فالمراد: أن فضله ابتدأ من فضل عمرو، وكل من كان مقدار فضله كفضل عمرو، فكأنك قلت: علا فضله على هذا المقدار، فعلم المخاطب انه علا عن هذا الابتداء ولم يعلم موضع الانتهاء، فصار كقولك: سار زيد من بغداد فعلم الموضع الذي ابتدأ سيره منه وتجاوزه، ولم يعلم أين انتهى؟، فلما كان معنى الباب الدلالة على ابتداء التّفضيل، لم يكن بد من من ظاهرة أو مضمرة لإفادة المعنى المذكور" [8] .
(1) حاشية الصبان: 3/ 45.
(2) ينظر: م. ن: 3/ 45.
(3) ينظر: شرح التصريح: 2/ 102.
(4) حاشية الصبان: 3/ 45.
(5) ينظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 321.
(6) حاشية الصبان: 3/ 45.
(7) شرح الأشموني: 3/ 45.
(8) شرح المفصل: 6/ 95.