الآخرة أدوم منه، فلا سبيل الى إجراء المفاضلة بينهما، وإنما المراد تخصيص نعيم الآخرة بأنه قد بلغ أقصى مراتب الخيرية والدوام من غير مشاركة فهو، من قبيل الزيادة المطلقة.
كما اقترن أبقى بـ (أشد) في وصف عذاب الآخرة، والمفاضلة بينه وبين غيره من أنواع العذاب في الدوام والاستمرار، قال - تعالى-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعمى - قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ا - قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى - وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وَأَبْقَى} [1] ، فقد أختلف في تقدير المفضل عليه فقيل: أدوم من المعيشة الضنك في القبر؛ لأنه إلى غير أمد ولا نهاية [2] ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - {:"أتدرون فيمَا أنزلت هذه الآية: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعمى} قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره ..." [3] الحديث، وقيل: أدوم من عذاب الدنيا، أو منه ومن العمى [4]
وقد لا يراد بـ (لعذاب الآخرة) العذاب المعهود، وهو الإحراق بالنار، قال الزمخشري:"وللحشر على العمى الذي لا يزول أبدًا أشد من ضيق العيش المنقضي، أو أراد: ولتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا" [5] ، والأحسن في مثل هذا شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة، فيكون عذاب الآخرة اشد أبقى من كل أنواع العذاب.
وفائدة الأخبار باسمي التفضيل خير وأبقى، وأشد وأبقى، الترغيب بالأول في السعي الى ذلك النعيم الدائم بالطاعات، والترهيب بالثاني من عذاب الآخرة الأبدي لاجتناب المعاصي.
أَتقَى:
التقوى في اللغة تعني: الحماية والستر والحفظ والصيانة [6] ، وقاه الله وقاية: حفظه وصانه، ووقيت الشيء أقيه إذا صنته وسترته عن الأذى، والاتقاء: الحجر بين شيئين،
(1) طه: 124 - 127 وينظر الآية: 71.
(2) ينظر: جامع البيان: 16/ 268.
(3) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: الهيثمي:199.
(4) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل: تفسير البيضاوي: 4/ 76.
(5) الكشاف: 669.
(6) ينظر: الصحاح: 6/ 2527 والقاموس المحيط: 4/ 404.