الصفحة 93 من 206

أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [1] . اختلف المفسرون في دلالة (الأخسرين) فقيل: هي للمبالغة لا للشركة، لان المؤمن لا يخسر أبدًا فهو لا يشارك الكافر حتى يزيد عليه [2] ، والصحيح انه اسم التفضيل، لوجود المشاركة في جهتين:

الأولى: أن خسران الكافر في الآخرة أكثر من خسارته في الدنيا، فهو يشاركه فيه ويزيد عليه، قال أبو حيان الأندلسي:"والظاهر أن الأخسرون أفعل تفضيل، وذلك أن الكافر خسر الدنيا والآخرة، كما اخبر عنه - تعالى - وهو في الآخرة أكثر خسرانًا، إذ مآله الى عقاب دائم، وأما في الدنيا فإذا أصابه بلاء فقد يزول عنه وينكشف، فكثرة الخسران وزيادته إنما ذلك له في الآخرة" [3] ، لذلك قال - تعالى-في موضع آخر: {وَهُمْ فِي الآخرة هُمْ الأَخْسَرُونَ} [4] ، فقوله: (في الآخرة) ، يدل على أن المشاركة إنما هي بين خسرانهم بالنسبة الى الدنيا والآخرة.

الثاني: أن خسارة الكافر في الآخرة أكثر من خسارة غيره ممن يشاركونه كفسقة المسلمين، فأنهم يشاركون الكفار في الخسران، لكن الكفار أعظم خسارة لأن أعمالهم محبطة تخلدهم في النار، أما الفاسق فلا يلزمه ذلك، وإنما يعذب على قدر فسقه حتى ينظر الله

-تعالى- في أمره، قال السمرقندي:"ويقال: هم أخسر من غيرهم، وقال أهل اللغة: متى ذكر الأخسر مع الألف واللام، فيجوز أن يراد به الأخسر من غيرهم، وإن لم يذكر غيرهم" [5] ، والخسران في الآخرة يتفاوت مقدارًا ومدة، فأعظمه خسران المشركين لأنهم خسروا ما لا يمكن تعويضه وهو أنفسهم [6] .

فأن قيل: لِمَ قال: (أعمالًا) ، والتمييز إنما يؤتى به مفرد اللفظ كما هو شأنه بعد اسم التفضيل في كثير من الآيات؟ قلت: إذا لم يتبين كثرة العدد، واختلاف الجنس من المميز يؤتي بالتمييز مجموع اللفظ، متى أريد التنبيه على ذلك، ولأن أعمالهم في الضلال لما كانت مختلفة كثيرة، نبّه على ذلك بقوله (أعمالًا) ولو قال) عملًا)،لكان السامع لا يبعد في وهمه أن خُسْرهم كان لجنس واحد من أجناس المعصية، أو لعمل واحد من الأعمال الذميمة، لذلك قال

(1) الكهف: 103 - 104.

(2) ينظر: البحر المحيط: 7/ 52.

(3) م. ن: 7/ 52.

(4) النمل: 5.

(5) تفسير السمرقندي: 2/ 489.

(6) ينظر: التحرير والتنوير: 19/ 223 والدر المنثور في التفسير المأثور: السيوطي: 14/ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت