(أعمالًا) ليدل على أنهم خسروا في أعمال كثيرة [1] ، وليدل أيضًا على أنهم لم يشتركوا في عمل واحد، هذا ولو لم يذكر التمييز لصار اسم التفضيل الأخسرين مبهمًا، فلا يعلم في أي نوع وقع الخسران، فلما قال (أعمالًا) اتضحت الجهة، والخطاب للكفرة على وجه التوبيخ، ولم يقل لهم من الوهلة الأولى: أنتم الأخسرون، بل عدل عن ذلك إلى طريقة
الغيبة، حتى إذا أنصتوا لمعرفة من المقصود بذلك؟ فوجئوا بأن هؤلاء المخبر عنهم هم أنفسهم [2] ، وفي هذا شدّ للمستمع ولفت لسمعه وقلبه للخطاب ثم يدرك انه هو المقصود بذلك وهو في أقصى درجات الانتباه.
ووجه الشبه بين الأخسرين أعمالًا وبين من خسر في بيعه، هو أنهم أجهدوا أنفسهم في تحصيل هذه الأعمال، التي زينت لهم فرأوها حسنة، ووثقوا في حصاد ثمارها، ثم أدركوا أنهم كانوا لله بتلك الأعمال مسخطين ولعذابه مستحقين، وكذلك من أتعب نفسه في جمع الأموال، وزين له طريق الخسران فسلكه وهو يحسب أنه لتجارته مستزيد، فاتلف أمواله بيده، ووقع اللوم عليه، قال الطبري:"أتعبوا أنفسهم في عمل يبغون به ربحًا وفضلًا، فنالوا به عطبًا وهلاكًا، ولم يدركوا طلبًا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلًا وربحًا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه ووكس في الذي رجا فضله" [3] .
أَخفَى:
"الخاء والفاء والياء أصلان متباينان متضادان"
فالأول: الستر،
والثاني: الإظهار" [4] ، وفعله: خفي يخفى خفاءً، والخفاء: الغطاء، ويقال: خفا البرق، يخفو خفوًا: ظهر من الغيم [5] ، وفي الصحاح:"خفيت الشيء أخفيه: كتمته وخفيته أيضًا: أظهرته، واستخفيت منك: تواريت، ولا تقل: اختفيت، وأختفيت الشيء، أي:
(1) ينظر: خزانة الأدب: 8/ 322 و البحر المحيط: 6/ 158.
(2) ينظر: إرشاد العقل السليم: 4/ 220 والتحرير والتنوير: 16/ 46.
(3) جامع البيان: 16/ 40.
(4) مقاييس اللغة: 2/ 202، وينظر: الأضداد في القرآن الكريم - دراسة دلالية: صكر خلف عواد، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة الموصل، بإشراف الدكتور هاني صبري علي آل يونس،2001 ص 256.
(5) ينظر: العين: 4/ 313 - 314.