لكان تقدير الكلام، وأخفى الله سره، لأن أخفى فعل متعد، فلما أفرد ولم يذكر مفعوله -على تقدير انه فعل- دلّ ذلك على أنه اسم تفضيل لا غير [1] ، قال ابن عاشور:"وأخفى: اسم تفضيل، وحذف المفضل عليه لدلالة المقام عليه" [2] ، وفي تنكير أخفى قال أبو السعود:"وتنكيره للمبالغة في الخفاء" [3] . وفي المراد بالسر وأخفى أقوال:
الأول: السّر: ما أسره الإنسان في نفسه، والأخفى"ما لم يكن بعد وسيكون، فهو ما علم الله أن الإنسان سيفعله قبل أن يعلم الإنسان أنه فاعله [4] ."
الثاني: السّر: ما أسره الإنسان الى غيره، وأخفى منه: ما أخفاه في نفسه [5] .
الثالث: السّر:"العمل الذي يسره الإنسان من الناس، وأخفى منه: الوسوسة" [6] ، لقوله - تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [7] .
الرابع: السّر: ما حدث الإنسان به نفسه، وأخفى منه ما لم يلفظ به [8] .
والناظر في الآية تتبعًا لمفردات: الجهر، والسّر، والأخفى، يجد أنها تتعلق بشيء واحد تتكون بتفاوته ومده وقصره، ألا وهو الصوت، فرفع الصوت وتشديده يكون الجهر، كالجهر بالقرآن في الصلاة، وصوت المسر: بين الجهر والخفاء وهو - عرفًا - إسماع المتكلم لمن يريد دون غيره يدل على ذلك قوله - عز وجل: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [9] ، والأخفى منه: هو خفض الصوت، حتى لينقطع حينًا، فيكون حديثًا للنفس داخلها، فالله - تعالى - يعلم الجهر والسّر والأخفى عنه. قال - تعالى-: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} [10] فقوله - تعالى-: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ
(1) ينظر: جامع البيان: 16/ 164.
(2) التحرير والتنوير: 16/ 191.
(3) إرشاد العقل السليم: 4/ 269.
(4) ينظر: التفسير الكبير: 8/ 10 وجامع البيان: 16/ 161.
(5) ينظر: معاني الفراء: 2/ 174.
(6) زاد المسير: 900.
(7) ق: 16.
(8) زاد المسير: 900.
(9) التحريم: 3.
(10) الرعد: 10.