ولقد وسّع القرآن الكريم من دلالة أدنى عن طريق مقابلته باسم تفضيل آخر يصرف دلالة أدنى على القرب الى المعنى المضاد لاسم التفضيل المقابل، فيعبر بالأدنى عن الأصغر مقابل الأكبر نحو قوله - عز وجل: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} [1] ، وتارة عن الأقل فيقابل بالأكثر نحو: {وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ} [2] ويتضمن معنى الأرذل والأخس، في مقابل خير نحو قوله - تعالى-: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [3] ، وعن الأول فيقابل بالآخر، في قوله - عز وجل: {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخرة} [4] وتارة عن الأقرب فيقابل بالأقصى، نحو: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} [5] .
فما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر في قوله - عز وجل: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} ؟ فأن الأكبر إنما يقابل بالأصغر، وللجواب عنه قال الرازي:"حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما: أنه قريب، والآخر أنه قليل صغير، وحصل في عذاب الآخرة أيضا أمران أحدهما: أنه بعيد، والآخر: أنه عظيم كثير، لكن القرب في عذاب الدنيا هو الذي يصلح للتخويف به ... أما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد، فقال في عذاب الدنيا (العذاب الأدنى) ليحترز العاقل عنه، ولو قال: ولنذيقنهم من العذاب الأصغر، ما كان يحترز عنه لصغره وعدم فهم كونه عاجلًا" [6] ، فحصلت المقابلة بطريق التضمن، وصرح بما هو أكثر في التخويف.
(1) السجدة: 21.
(2) المجادلة: 7.
(3) البقرة: 61.
(4) الحج: 11.
(5) الأنفال: 42.
(6) التفسير الكبير: 9/ 148 - 149.