وبين الشيخ أيضًا أن الطريق لمعرفة طلوع الهلال هو الرؤية لا غيرها، وهذا ما تؤيده نصوص الوحيين، ويؤكده العقل الصحيح، أما الأدلة فذكرنا بعضها آنفًا، وأما العقل: فإن المحققين من أهل الحساب والفلك كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يُرى لا محالة، أو لا يُرى البتة على وجه مطرد، وإنما قد يتفق ذلك، أو لا يمكن بعض الأوقات، ولهذا كان المعتنون بهذا الفن من الأمم: الروم والهند والفرس والعرب وغيرهم مثل بطليموس الذي هو مقدَّم هؤلاء ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفًا واحدًا، ولا حدُّوه كما حَدُّوا اجتماع القرصين، وإنما تكلم في ذلك بعضهم، ولكن أنكر عليهم ذلك الحذاق من علماء الفلك. وقد شنَّع الشيخ على دعاة اعتماد الحساب دون الرؤية، وعدَّ ذلك منهم أنه إدخال لشيء في الإسلام ليس منه. (ينظر: مجموع الفتاوى 25/ 126 ـ 201) .
ثم إن أهل الإسلام يعلمون أن الله تعالى علم ما كان وما سيكون، ومن ذلك ما ييسره سبحانه من تقدم علم الفلك وغيره من العلوم ومع ذلك قال سبحانه: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: 185] ولم يأمر الناس بحسابٍ أو غيره.
ويعلم المسلمون أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنصح الخلق للخلق وأعلمهم بالله، وأنه لم يمت إلا وقد بلغ البلاغ المبين وأوضح للأمة ما يصلح لها في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة، فبأي شيء أمرنا عند اشتباهنا في تمام الشهر أو نقصانه؟.
بيان ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:"فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"ولم يقل: فسألوا أهل الحساب، ولم يعتبر ذلك مؤثرًا في صحة عبادتهم، فالأمر واسعٌ، وسَّعه ويسَّره الرب سبحانه ورفع فيه الحرج عن الأمة، فله الحمد كُلُّه، وله الشكر كُلُّه.