وكذلك حَمَلَةُ الفكرة الربانية العظيمة، ودعاة هذا المشروع الحضاري، لقد كلفهم الحق ـ سبحانه ـ بوظيفة، أو دور معين، ووعدهم بالأجر العظيم على حسن أداء تلك الوظيفة.
ولا نريد أن نكرر هنا ما أكدنا عليه ووضحناه آنفًا، ولكننا نذكِّر الداعية أن يفقه وظيفته من حيث ماهيتها، ومنهجية تنفيذها، والأجر المترتب عليها، وكيفية تلقي التكاليف، وحسن تنفيذها، وحسن عرض البضاعة الربانية العظيمة، وضرورة أن يصل إلى درجة البلاغ المبين للفكرة، ثم ـ وهذا هو الأهم ـ عليه أن يستشعر هذا التفاعل والتعاضد الفريد بين دور البشر، ودور المدد الرباني في تنفيذ جمع شمل الأمة المنشود، وكيف أن هذه النقطة هي النبراس الذي يعطي الأمل للعاملين، وهو العلامة الفارقة التي تميزهم عن غيرهم من أصحاب المشاريع المغايرة.
خامسها: عندما يُتْبِع الداعية هذه النظرة، بنظرة أخرى ذات بُعدٍ نوعي؛ فيملأ قلبه الأسى عندما يتأمل ذلك الفارق الشاسع بين ثقل تلك الأعداد القليلة التي كانت تطوف معه صلى الله عليه وسلم وأثرها في صنع أحداث الكون حولها، ودورها في صنع حركة التاريخ، وبين ثقل هذه الجموع المعاصرة، وهم يطوفون الطواف نفسه، ويرددون الكلمات نفسها، ولكن أصابهم مرض العصر، مرض الغثائية، أو الإمَّعية، وكيف تداعت عليهم أرذل الأمم، فشتتت جموعهم، وأصبحوا على هامش الأحداث.
وهي مرحلة القصعة التي حذر منها صلى الله عليه وسلم:"يوشك أن تتداعى الأمم عليكم، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟! قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا"
وكراهية الموت" (15) ."