ولقد حاول المخلصون مرارًا أن يوجدوا المشروع الذي يجمع شمل الأمة، والذي يشعل حماس أبناء الأمة؛ فإن أمة لا يجمعها قضية خطيرة ومصيرية مثل ضياع أوَّل قبلتيها ومعراج رسولها الخاتم صلى الله عليه وسلم وموطن مقدسات كل الرسالات السماوية فلن تجمعها قضايا أخرى.
وللأسف يغفل كثير من أبناء الأمة الإسلامية عن هذه القضية التي لا يختلف عليها اثنان لتعبئة الأمة حوله، ولتوجيه الأنظار للخطر المحدق بالجميع، ومن أجل مناهضة المشروع الصهيوني الغربي الذي يهدد كل الأمة.
أما بالنسبة للفرد المسلم فالكل يطوف ظاهريًا حول محور واحد، والكل يردد الكلمات نفسها،والكل يسكب عبراته،ولكن كلٌ يبكي على ليلاه،حقًا:"إنما الأعمال بالنيات" (14) .
ثالثها: أهمية التنظيم؛ وهو ما يُعرف بفقه تنسيق الجهود وتوفير الطاقات، وتوظيف الإمكانات. وهذه القضية تبدو واضحة في كل أعمال الحج؛ ففي وقت معين وفي أماكن معينة تسير هذه الجموع المليونية في سلاسة وفي يسر وفي نظام عجيب ومعجز، وما كان هذا ليتأتى إلا بالتنظيم الجيد والدقيق الذي وضعه صلى الله عليه وسلم عندما حج سنة عشر من الهجرة، وتبعه المسلمون حتى يومنا هذا دون تبديل أو تحريف.
رابعها: عندما ينظر الداعية إلى هذه الجموع المليونية نظرة ذات بُعد كمي؛ فيملأ جوانحه الأمل، ويتذكر مؤسس هذا المشروع العظيم؛ يتذكر الخليل ـ عليه السلام ـ وهو يقف وحيدًا، ويؤذن بالحج كما أمره الحق ـ سبحانه ـ"نادِ وعلينا البلاغ"، فتكون النتيجة هي هذه الجموع التي لا تُحصى، والتي تأتي من كل حدب وصوب، حتى قيام الساعة،
مشاة وراكبين، وكلهم شوق وبقلوب تهوي إلى هذا المكان الطاهر.
وهذا ما يؤكد أهمية فقه الدور المطلوب وأجره الموعود؛ فالداعية عليه البلاغ، والحق ـ سبحانه ـ يرعى النتائج بعد ذلك، ويبارك في الأجر العظيم الذي ينتظر الداعية عند القيام بوظيفته البلاغية.