الصفحة 12 من 34

بعد ذلك يُستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها، ويصب على رأسه، وإن تيسر له رجع وكبَّر واستلم الحجر الأسود.

ولو تدبرنا نوعية تلك السنن وموضعها لوجدناها تتكرر بصفات أخرى طوال رحلة الحج، ونجدها أيضًا تفصل بين كل عملين شاقين.

أو بمعنى آخر كأنها لحظات لالتقاط الأنفاس قبل الشروع في الأعمال التي تتطلب جهدًا ومشقة.

وتدبر جلسات الاستراحة الإيمانية المتعددة تلك، والتي تأتي على هيئات مختلفة عملًا ووقتًا مثل يوم التروية قبل الخروج إلى عرفة، والمبيت بالمزدلفة قبل أعمال يوم النحر الشاقة من رمي ونحر وحلق وطواف.

وهذا الملمح التربوي يفتح بابًا عظيمًا في المنهج، ويدلنا على سمة عظيمة من سمات ذلك المشروع الحضاري، وهو مراعاة الطبيعة البشرية، ومراعاة قدرات المشاركين في حمله، وكذلك يدل على يسر هذا المنهج وواقعيته وملاءمته للجميع.

وتدبر كيف أن الحبيب صلى الله عليه وسلم قد راعى قدرات أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ، فجعل ذروة سنام الدين ـ وهو الجهاد ـ درجات ومراتب، فلم يُحرَم أحد من شرف القيام به، حتى وإن قصرت همته، وضعفت قدراته، بل وإن اعترف بها؛ وذلك لأن الجهاد هو سبيل الأمة ومصدر عزها، ولا بد من أن يشارك الجميع في الركب؛ لذا صُنِّف الحج على أنه جهاد الضعفاء، فعن الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ قال:"جاء رجلٌ"

إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان، إني ضعيف، فقال صلى الله عليه وسلم: هَلُمَّ إلى جهادٍ لا شوكة فيه: الحج" (17) ."

وكان منهجه صلى الله عليه وسلم هو الوسطية، بمراعاة الفطرة الإنسانية، وحدود الاستطاعة البشرية:"مَهْ، عليكم بما تُطيقون، فوالله! لا يملُ الله حتى تملوا" (18) .

وذلك روح الدين، وأساس القاعدة الربانية التي يقوم عليها المنهج الإسلامي: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ) ) [البقرة: 185] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت