وعندما نتأمل هذا العمل العظيم من أركان الحج أو واجباته ـ وذلك من زاوية بحثنا المتواضع، ومغزاه التربوي ـ من حيث دلالاته باعتباره ركيزة من ركائز المشروع الحضاري فإننا نرى بدايةً أنه قد شُرع للأمة كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي" (20) ،شُرع ليربط الأمة بتاريخها الناصع،ويذكر الأمة بجذورها،
وأصالتها تذكرة دائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، يذكرها بتلك التجربة العظيمة، والجهد الشاق الذي قامت به هاجر الصابرة المؤمنة المثابرة، ـ عليها السلام ـ وهي تبحث عن الماء لرضيعها ولها بعد أن نفد الماء الذي كان معها، و"عطشت، وعطش ابنها ـ أي انقطع لبنها فعطش ابنها ـ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ـ أي يبكي ويتقلب، وفي رواية: يتلبط أي يتمرغ ويضرب الأرض برجليه، وفي أخرى: يتلمظ أي يخرج لسانه فيبل به شفتيه وكانت سنه حينئذ سنتين ـ، فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر: هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ـ أي قميصها ـ ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة، فقامت عليه،فنظرت: هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات."
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: فذلك سعي الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا؛ فقالت: صهٍ ـ تريد نفسها ـ ثم تسمَّعت، فسمعت أيضًا! فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ، ـ أي ساعدني لأني سمعتك ـ فإذا هي بالمَلَكِ ـ أي جبريل ـ عليه السلام ـ عند ماء زمزم ـ فبحث بعَقبهِ ـ أي عظم مؤخر القدم ـ أو قال بجناحه، حتى ظهر
الماء" (21) ."
وبتدبر هذه التجربة العظيمة نستطيع أن نتلمس بعض الملامح التربوية حول بعض القضايا الفرعية، ثم حول القضية العظيمة والمغزى الرفيع الذي نخلص إليه وذلك في الحلقة التالية ـ إن شاء الله ـ.
الهوامش: